مساء الخير جميعًا…
كتبتُ بالأمس عنوان موضوع اليوم، وقد كان حول الكتابة. لكن غيّرتُ رأيي، لماذا؟ غالبًا لأنني لن أستطيع إنهاء التدوينة بسبب ظرف عائلي طارئ. إنهم شياطين الكتابة كما وصفتهم في تدوينة سابقة، فجأة تتعطل الأشياء، ويمرض الأشخاص، ويشتدّ الحر… فقط لأنك قررت الكتابة.
أحلامي مع الكتابة
عندما كنت صغيرة حلمتُ بأن أكون كاتبة، لا أدري ما كانت أسبابي حينها. ربما لأن للكاتب صورة لطيفة في المجتمع، يظهر على أنه شخص عميق ومتفكّر، مثقف، وله وجهات نظر تختلف عن وجهات النظر السائدة في الوعي الجمعي، هذا ما اعتقدته في تلك الحقبة.
ثم انطفئ حلم الكتابة حين عرفتُ أنّ الكتابة مهنة الفقراء، طبعًا لا أوافق على هذه الفكرة حاليًا، خاصة حين قرأتُ كتاب “الفنانون الحقيقيون لا يتضورون جوعًا” فالكاتب يدحض هذه الفكرة بكل ما أوتي من حكمة في كتابه، وكأنه قطع عهدًا على نفسه أن يقتطع هذه الفكرة من جذورها حتى لا تنمو مجددًا، خاصة إذا سقاها الداعين لها.
“يكافح الفنان الجائع ليصبح فريدًا من نوعه، بينما يسرق الفنان الناجح من مصادر إلهامه”
من كتاب “الفنانون الحقيقيون لا يتضورون جوعًا” للمؤلف جيف غوينز.
عششت فكرة الفنان الجائع في عقلي لسنوات دون أن أدري، حتى أنني فكرتُ لعدة مرات كيف أجني المال من أشياء أحب فعلها، وليس عليّ العمل لدوام كامل في أشياء لا أحبها. وبسبب هذه الفكرة اللعينة اتبعتُ المسار الأسطوري الذي يضع المجتمع للفرد.
دراااااااسة لمدة 12 عامًا على الأقل، ثم التخرّج ولبس قبعة التخرج السوداء، التي لم ألبسها ولله الحمد. ثم رحلة البحث عن عمل، ثم البحث عن عريس، ثم البحث عن أطفال… ثم البحث… عن أشياء أخرى لا تشبهنا، ولا تفيدنا، ولا تضيف شيئًا لحياتنا. [طبعًا لا أقلل من فكرة الزواج والإنجاب، لكن ترتيب المجتمع للدراسة والزواج والإنجاب ترتيبٌ وتقسيم ظالم].
عملتُ بعد التخرج مباشرة ولم أبحث كثيرًا عن عمل، لكن سرعان ما عدتُ للبحث مجددًا، أردتُ أن أكون مفيدة في عين أهلي، وحتى يتوقفوا عن القول: “ذهبت سنوات الجامعة هباءً”. ومن هذا المنبر إلى أصحاب البكالوريا: “أرجوكم لا تبالغوا في الفرح بنجاحكم، ولا تبالغوا في الحزن لخسارتكم” أكتفي بقول هذا وحسب، حتى لا أُفهم خطئًا“.
حسنًا، بعد أن فككتُ اللغز وبدأتُ الكتابة على الإنترنت، قلتُ تبًا لحظي، وتبًا للكذبة التي عشتُ فيها لسنوات، وللأمانة أنا سعيدة لأنني نشرتُ كتابي مجانًا، يكفي أنني تخطيتُ رحلة البحث عن دار نشر، ولم يُكسر خاطري لعشرات المرات… كما حدث مع الكثيرين غيري.
إذًا لماذا أكتب؟
أكتب لأنني لا أجد في واقعي من أقول له، ما أقوله لك الآن. أحاديث الكتابة في عالمي الواقعي مجرد هراء لا يُسمن ولا يُغني من جوع، أكتب لأنني أمتلك الكثير لأقوله، لكن ما من طريقة إلا الكتابة. وحدها الكتابة ستُنصفني وتسمح لي بقول ما أسكتوني من أجله.
بالكتابة فقط أستطيع أن أقول كل ذلك الذي ابتلعته ذات زمن، وسبب لي الكثير من المرض والتعب. بالكتابة أستطيع الوصول إلى من يستحق الإصغاء إلى كلامي، وأستطيع التعبير عما أراه صوابًا أو خطئًا، دون أن أسكت مرغمةً حتى لا أدخل في جدال أخرج منه منهزمة أجرّ ذيول الخيبة.
بالكتابة أستطيع إثبات ما قلته ذات يوم ولم يُنصت لي أحد، بالكتابة أستيطع أن أجنّب أشخاصًا آخرين الأخطاء التي وقعتُ فيها، وأقول لهم ما لم يقُله لي أحدٌ حين احتجتُ إليه. بالكتابة أستطيع أن أكون صديقةً وأختًا ناصحة لمن لا أخ ولا صديق له.
بالكتابة أبني عالمًا حُرمتُ من بناءه، بالكتابة ألتقي من يستحق لقائي، وأرافق من يستحق صحبتي، بالكتابة أقول ما تمنيتُ قوله… بالكتابة أعبّر عن كل ما تجاهلته ورميته خلفي خوفًا من العار وكلام الآخرين، بالكتابة أحيا الحياة التي أستحقّ والتي أريد.
بالكتابة أترك خلفي ما يستحق أن يعرفه الناس عنّي حين أغادر هذه الأرض. وبالكتابة أترك لمن يحبّني شيئًا يشاركونه بينهم دون أن يشعروا بالحرج أو العار. بالكتابة أبني ثروتي، بالكتابة أحكي قصتي فهي إرثي الذي سأتركه خلفي. أكتب من أجل الاستشفاء مما فعلته بنفسي وفعله بي الآخرون.
لا أريد العودة لقراءة ما كتبتُ، فقد كتبته دون تنميق أو طول تفكير… كتبتُه فقط لأنني أحبكم (أقصد من يقرأ لي). ولا أتمنى لكم إلا الخير الكثير، والرزق الوفير، والراحة التامة، والطمأنينة لأرواحكم ودواخلكم… في هذا العالم الصاخب المليء بكل ما هو مفبرك ومصطنع.
أعتذر منك إن كانت تدوينة اليوم كئيبة بعض الشيء، لكنني أنصحك ومن كل قلبي، أن تكتب، أو ترسم، أو تتحدث… لتعبّر عن نفسك، لم تتوفر للسابقين الفرص التي توفرت لك، فلا تحرم نفسك منها، وشارك قصصك الإنسانية، وتجاربك مهما كانت أليمة وتحفر أعماقك، شارك قصصك فهي إرثك.
لا تخشى من أن يطّلع أحدٌ على فشلك وإخفاقاتك فقد تكون إخفاقاته أكبر وأسوء… شارك كل ما تظن أنه سينفع، أو يُفيد، أو يواسي… أحدًا غيرك.
دمتَ بخير.
شاركني رأيك دائمًا، فأنا في الخدمة والاستماع، فقط اضغط زر تلجرام وستراني هناك
حقوق الصورة البارزة: الصور المجانية من ووردبريس
اكتشاف المزيد من مدوّنة دليلة رقاي
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.