لأن الكتابة هي الشيء الوحيد الذي يجمعني بكل الكتّاب الذين أحبهم

مساء الخير…

نلتقي اليوم المبدعة مرام العوفي، التي تكتب رغم كل ما لديها من انشغالات مع أطفالها، وبيتها… تحدثتُ مع مرام منذ مدة، واختفت دردشتي معها بين الرسائل، لكنها لم تختفي من ذاكرتي، ولهذا عدتُ للبحث عنها. لترى هذه الحوارات النور وتتعرّفون على مرام وقصتها مع الأمومة والكتابة.

كيف تعرّفين نفسك؟

أنا مرام أم وكاتبة، عمري 28عامًا، وطموحة جداً، وصدرت لي رواية الذاكرة البكماء.

غلاف رواية الذاكرة البكماء للكتابة مرام العوفي.

متى بدأت رحلتك مع الكتابة؟

بدأت رحلتي مع الكتابة بقصة مؤسفة وهي أنه عندما كنت في الصف الثالث الابتدائي بينما كنا في حصة التعبير، كانت المعلمة تسطر لنا عنوانًا في أعلى السبورة. وتقول لنا: اكتبوا ما شئتم عن هذا الشي. وفي نهاية كل حصة كانت تمر على كل طالبة لرؤية ما تم تدوينه.

لكنها كانت تجد صفحتي كل مرة خاوية، لم يُكتب بها سوى ذات العنوان. كانت بالبداية تقول لي اكتبي عن وعن…ثم بالأيام اللاحقة صارت تقول: اكتبي عن أي شي. وكنا بعدها نقوم ونذهب لبداية الصف من أجل تسليم الدفاتر. فكنت كما الحال، صفحة بيضاء.

كنت أجد صعوبة في إخراج ما أشعر به أو أفكر فيه، فكل ما لمعت في مخيلتي فكرة، هربت مني الكلمات بعيدًا، وكأنني شخص منبوذ.

في نهاية الأمر أصبحت تجلب المعلمة مسطرة خشبية تشعبت منها الأشواك مع مرور الزمن. فكانت تنظر إلي بعد كل مرة تنتهي من خط العنوان، كأنها ترسل لي التهديدات. لكن الحال استمر وأصبح بدل الكلمات ضربات. لم أكن أعلم أن خروج المفردات يكلف كل هذا الجهد والكفاح.

ولكنني عندما كبرت كانت تنبع مني الكلمات في لحظات الألم والضيق، مخافة علي من الهلاك إن لم تفعل. كنت أكتب في ساعات الضيق فقط، للتنفيس عن ألمي. ثم لا أعود الى ما كتبته مطلقًا، لأن ذلك كان يذكرني بالمسطرة الخشبية.

أما اليوم أحب كل ما أكتب، لأن الكتابة هي الشيء الوحيد الذي يجمعني بكل الكتّاب الذين أحبهم.

ما الذي دفعك للكتابة؟

الشي الوحيد الذي دفعني للكتابة هو أنني أشعر بأني أتنفس وأشعر بأني على قيد الحياة فعلًا. حينما أتوقف عن الكتابة ينتابني شعور بفقد شيء ما. الخنقة والكآبة أحياناً، بالكتابة استخرج ضيق علق بداخلي وفاض. أو حاجتي الملحة للتعبير عن شيء ما.

ففي الواقع عندما أقولها هكذا أفتقد للمفردات. وعندما أمسك القلم و أجوب بداخل بوابة الذات بشيء من الإدراك الشعوري للبحث عن الغاية، والنيل من الشعور المبهم أفيق بعدها بخاطرة مذهلة. استنزفت كل شعور بين سطورها. فالكتابة بالنسبة لي حياة.

 ما  مصادر إلهامك؟

إن مصادر إلهامي متعدد منها المطر والسماء والطيور والكتب… قد أكتب بعد استيقاظي مباشرة، أو وسط تنظيف الصحون وهو النشاط الأكثر تدفقًا للأفكار، أو في ليلة مظلمة أجد الالهام في محادثة مهجورة. أكتب بها ثم انسخ جل ما كتبته في سرية تامة.

مثلما لا يوجد وقت محدد للأفكار والشعور، كذلك الكتابة لا تعرف وقتًا محددًا. وفي أكثر الأوقات الغير مناسبة ترى لمعان حروفك يمر على جبينك فيقول: دوّن الآن وإلا سوف تموت الكلمات وتضيع في الفراغ، كما الهواء.

هل كنتِ أما قبل الكتابة أم بعدها؟

قبل الأمومة، بدأت الكتابة في عام 2016 وتوقفت عدة سنوات عن الكتابة بسبب الانشغال بالحمل والتربية، ولكن هذا لم يزدني إلا إصرارًا على العودة للكتابة.

كيف تصرفتِ في فترة الوحام مع الكتابة؟

عندما كنت حاملًا بالشهر الثاني انهيت كتابة روايتي، وقد كنت أشعر بالغثيان يطفو ‘لى حلقي، ويعكر من مزاجي، مع الكثير من الدوخة ولكنني جاهدت في سبيل إنهاء الرواية لاني انقطعت عنها سنوات لم أنهيها.

كيف توازنين بين الأمومة والكتابة؟

الموضوع صعب، صراحة أكتب بالصباح عندما يكون طفلي بالروضة وتكون ابنتي نائمة، أو العصر عندما يأخذون غفوة، غير ذلك لا يمكنني الكتابة، فكلاهما يراني مغرية عندما أكتب، فيصيحون أو يصارخون أو يتضاربون المهم إلا يدعوني أكتب وقتها.

في بداية رحلتك مع الأمومة، هل عشتِ شعور التناقض بين دورك كأمّ وبين شغفك وحماسك للكتابة والحياة المهنية؟

نعم عشت ذلك كثيرًا وكانت مشاعر تأنيب الضمير تعتريني كثيراً، تعتريني بسبب قلة الكتابة، فعندما كان أطفالي صغارًا لم أكن أستطيع الكتابة أو المكوث بالمكتب، بل كانوا يأخذون جل وقتي، لكن عندما تأخذني الكتابة بعيدًا عنهم ذلك لا يهمني فأنا أنتبه لهم حقًا وأكتب وأنا بينهم..

ما هو أكثر شيء تحبينه في الكتابة؟ ما هي اللحظات الممتعة والتحديات التي واجهتها أثناء الكتابة؟

أكثر شي أحبه بالكتابة هي الكلمات والمفردات البليغة، والرنانة في أذني وكانها تترك في نفسي معزوفة رهيبة، فلكل معزوفة قصة ينسجها خيالي، أمرح بين ألحانها، تارة أبتهج وتارة أحزن، كالخاطرة تماما يبتكرها عقلك تغوص بين طياتها تارة تذهل وتارة تتعوذ.

كنت أكتب الخواطر والمقالات فقط، لم يتسنى لي كتابة الروايات، ولكن عندما عزمت على كتابة الرواية انتابني خوف كبير، وقلق فضيع. ولكنني استطعت التغلب على ذلك.

ما هو أكثر كتاب قرأته وترك فيك أثرًا؟

كتاب ظل الريح، لأنه هو من فجّر فيني روح الكتابة، هو من جعلني ألصق وجهي بالصفحات وأكتب بنَهم عليها. كان كتابًا رائعًا.

هل عشتِ ما يعرف باكتئاب ما بعد الولادة؟ وكيف ساعدتك الكتابة في تخطي ذلك؟

نعم لقد عشت في ولادتي الأولى، وكتبت أبلغ الخواطر الحزينة والمليئة بالسوداوية. ولكنني لم أدعها ترى النور.

ما الذي تفخرين به في مجالك بصفتك أمًا وكاتبة؟

أفتخر بأني كاتبه وهذا يكفي، أفتخر بأني استطعت التغلب على كل انواع الأمزجة التي مرت علي!

الكتابة أم الأمومة؟ هل عصف بك هذا السؤال ذات ليلة؟

فكرت في ذلك عدت مرات كأن أقول، زواجي أو الكتابة، الأمومة أم الكتابة، سعادتي أم الكتابة، وفي كل مرة اخترت الكتابة ، فأنا اأعشقها فهي طفلي الأول.

في رأيك، هل الأمومة هي ما يعطّل الأم الكاتبة؟ أم أنّ  لسوط الموروث والعادات الدور الأكبر في ذلك؟

نعم كثيرًا، مشاغل الحياة كثيرة ومشاغل الأم التي هي الوحيدة الموجودة بالمنزل تنظف وترتب وتربي وتطبخ، يشغلها هذا ويعطلها عن الكتابة، أما بالنسبة للعادات فهي لا تهمني ولا أتطرق لها.

تقول مجدولين الرفاعي: “أولادي هم أجمل الروايات التي كتبتها بكل فخر وما زلت أعتز بإنجازاتي العظيمة”ما رأيك أنت ذلك؟

أوافقها، بالروايات والكتب هي ما نخلّفه نحن الأمهات من الأبناء. إن المرء يولد شيئين فقط، الذرية والكتب.

تقول الكاتبة إليف شافاق في روايتها حليب أسود:«يوم عرفت أني حامل، ارتعبت المرأة الكاتبة بداخلي…”هل جربت ذلك؟

نعم لقد ارتعبت، ففكرت أنني حامل ولم أكمل روايتي يدعني ذلك أرتعب، ولكنني عزمت وتحاملت على نفسي وأنهيتها.

أما الكاتبة بثينة العيسى فتقول:

“الأمومة مثل الكتابة. إنها عملية استدعاء متواصلة لأمومة النساء السابقات؛ أمي، جدتي، أم جدتي، جدّة جدّتي (..)أنا مجرد حلقة في سلسلة من النساء؛ حمّالات الحكايا، حارسات الذاكرة (..)الأمومة مثل الكتابة؛ إنها محاورة مع أمومة سابقة وانفتاح على أمومةٍ آتية. عملية استدعاء أبدية للذاكرة، وهي المكان الذي تكتسي فيه المجتمعات بالخصوصية، وتحظى بالهوية والتفرد”

ما تعليقك على هذا الكلام الذي نشرته في عيد الأم من سنوات مضت؟

صحيح أن لكل منا نسخة من والدته بأفعاله أو أفكاره حتمًا سوف تنتبه لذلك ولكن لكل أم طابع جيد ومتميز. ونعم الأمومة مثل الكتابة فإنها تولد بالنهاية شيئاً مادياً.

صفي لي الأمومة في جملة واحدة من وجهة نظرك وتجربتك؟

الأمومة تضحية، وعمر طويل.

هل لديك نصائح للأمهات اللواتي يرغبن في الكتابة؟

  • أولًا: لا تنقطعوا عن الكتابة لأنها سوف تجعلكم تشعرون بمشاعر سلبية قوية.
  • ثانيًا: خصص ولو ساعة واحدة فقط للكتابة.
  • ثالثًا: اتقني عملك بعيدًا عن الضوضاء.

إلى ينتهي حواري مع مرام، أراكم في لقاء مقبل ومع مبدعة أخرى… لمن تهتم بهذه اللقاءات، أو لديها قصة تودّ أن ترويها تتواصل معي على تلجرام مباشرة من الزر الأزرق بالأسفل.


شاركني رأيك دائمًا، فأنا في الخدمة والاستماع، فقط اضغط زر تلجرام وستراني هناك


حقوق الصورة البارزة: الصورة من مكتبة ووردبريس المجانية.


اكتشاف المزيد من مدوّنة دليلة رقاي

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

4 رأي حول “لأن الكتابة هي الشيء الوحيد الذي يجمعني بكل الكتّاب الذين أحبهم

    1. العفو أستاذ طارق، و بالنسبة للمبدعة مرام حتى أنا وقفت مندهشة أمام شجاعتها، فما فعلته ليس سهلا.

      هناك من تعتزل الحياة بالكامل في فترة الحمل وليس فقط الكتابة.

      شكرا لمرورك الجميل أستاذ طارق، ذلك يبهجني ويشجعني.

      Liked by 3 people

أضف تعليق