لماذا لا نقدّر حقيقة أنّ [الكتابة تفكير]؟

مساء الخير يا رفاق🤍🕊️

لا أخفيك أنني اليوم أخذتُ وقتًا أكثر من المعتاد في استخدام الهاتف، لكنني كنت واعية تماما بذلك، وقررتُ مسامحة نفسي دون الغرق في دوامة التأنيب واللوم، أكاد أجزم أنّ روحي تورمت من كثرة ذلك وقسوته، وأقصد سوط اللوم والتأنيب.

وبينما أنا أشاهد ما أشاهده، تذكرتُ جملةً قالتها ليلة الأمس ضيفتي التي استضفتها على بودكاست رحلة كاتب، وسأنشر الحلقة قريبًا بإذن الله. قالت: “الكتابة ضرورة لكل فرد”. ظلت هذه الجملة تنخر رأسي مثل نقار الخشب، فأردت الكتابة عنها لأرى ما سيتمخض عن ذلك.

جدول المحتويات

  1. جدول المحتويات
  2. الكتابة ضرورة لكل فرد
  3. هل سيُهمَل الذكاء الاصطناعي يومًا؟
  4. الكتابة تُظهر عجزنا الفكري
  5. الكتابة تضعنا في مواجهةٍ مع فِكرنا

الكتابة ضرورة لكل فرد

بماذا ستشعر لو قال لك أحدٌ أنّ [الكتابة ضرورة لكل فرد]، وضرورة ملحّة في عصر الذكاء الاصطناعي. خاصة مع الكسل العقلي والخمول الفكري الذي تسحبنا إليه التقنية سحبًا لا رحمة فيه ولا شفقة. يُشعرنا تقدم التقنية وسرعتها في التطور، بالفشل والتأخر والتراجع والتخاذل…

كل ما حولك في العالم الرقمي يخبرك بكل عجرفة “أنك متأخر”، حتى أنّ الذكاء الاصطناعي يتقدم ويتطور بسرعة مرعبة ولسان حاله يقول: تفوقت عليك أيها البشري. قد لا يقول ذلك هو حقًا، بل دعاته يقولون ذلك بأعلى أصواتهم.

حسنًا، لا أدري ما مصير هذه السرعة، لكنها مرعبة. لا أهتم بتطور الذكاء الصناعي وإلى أين سيصل، لكنني أحمل همّ هذا العقل الذي بدأ ينام ويتكاسل، فقد أصبحنا نستخدم الذكاء الاصطناعي دون وعي، ونسأله أسئلةً سخيفة وبديهية، يذكّرني هذا باستخدام الآلة الحاسبة لمعرفة مجموع 5+5.

ألم نفعل هذا من قبل؟ لقد فعلناه بالتأكيد خاصة في الامتحانات، نخاف من الخطأ في النتيجة ونثق ثقة عمياء في الآلة الحاسبة.

هل هذه مقارنة عادلة؟ بالطبع ليست كذلك، بعد مرور السنوات لم نهتم بالآلة الحاسبة وأصبح كل شيء طبيعي، وأصبح هناك أشخاص يتقنون الحساب دون حاسبة، وظهر بعدها الحساب الذهني وبدأ تدريب الأطفال عليه من سنّ مبكرة حتى مع وجود الآلة الحاسبة.

إذا هل الذكاء الصناعي مخيفٌ حقًا؟ بالنسبة لي، لا يُخيفني إطلاقًا. لأنّ الذكاء الاصطناعي يكتب لكنه لا يفكّر، مهما ادّعى ذلك. وإن كنتَ تستخدمه لكتابة بريد إل

كتروني، أو تقرير ما، أو حتى بحث… فأنتَ في أمان. بمعنى إذا كنت تستخدمه وأنت تفكّر، فهذا المطلوب.

أما إذا كان يفكّر بدلًا عنك، ويعطيك المطلوب وتفرح به، فهذه الكارثة. بمعنى: استخدمه كمساعد لك، وليس كمفكّر بدلًا عنك. لأنك إن سلّمته تفكيرك، فأنت بهذا تقتل خلاياك العصبية، وتقود مخك للضمور والهزال… سيصاب عقلك بمجاعة فكرية، لن تجد لها حلولًا عند منظمات الصحة الدولية…

هل سيُهمَل الذكاء الاصطناعي يومًا؟

لا أدري ولم أفكر في ذلك لأنني أكرهه، نعم أكره الذكاء الاصطناعي وأكره الاعتماد عليه، ولازلتُ أجهل التعامل به إلا ما نَدَر، وأكره النصوص التي يولّدها حتى مع تحسين المحثّات، جربتُ استخدامه آخر مرة لكنني تورطتُ بنص ركيك لم أستطع إصلاحه وتعديله بأي طريقة،

بل كان يزداد سوءًا مع كل تعديل، حتى تركته كليا وكتبت غيره، عندها فقط ارتاح ضميري وسلمت العمل للعميل. لا أخفيك أخشى فكرة الاعتماد على الذكاء الاصطناعي، أعدّها خيانة لبنات أفكاري. قد أستعين به في البحث، لكن في الكتابة لن أفعل.

تخيفني فكرة اللجوء إليه وفي كل مرة من إدمان استخدامه، [أخاف أن أصبح مثل أولئك اللواتي يشتكين إليه من أزواجهن]. أمزح طبعًا، لكن ذلك يحصل حقًا. حتى أنه ينصح بعضهنّ بالطلاق ويوصيهنّ بأن يصبحن تلك الوومن الخارقة، ويقترح عليهنّ مشاريع خاصة للتحرر المالي.

الكتابة تُظهر عجزنا الفكري

لقد جربتُ كثيرا الكتابة عن مواضيع ثم أتراجع وأتخلى عن المسودة دون رجعة، ليس لأن الموضوع معقد أو صعب، بل لأن الكتابة تنجح في كل مرة في إظهار عجزي ووضعه أمامي، فأنا أنسحب في كل مرة أعجز فيها عن سبر أغوار الفكرة ومجاراة عمقها.

وهكذا تنجح الكتابة في تعريتي وإظهار عجزي الفكري، فبدل التعمق في الفكرة والإلمام بكل جوانبها والاستمرار في الكتابة أختار التراجع والانسحاب، لأنه القرار الأسهل. في حين أنّ مراودة الفكرة عن نفسها واكتشافها وتحليلها وحتى توسيعها أو تبسيطها فعلٌ صعب.

لهذا أخبرتك أنّ الكتابة ستعرّفك على مواطن ضعفك الفكرية، ليس هذا فقط… فالكتابة أيضًا ستجعلك تكتشف معتقدات عميقة في داخلك، هي تحركك منذ زمن، حتى أنها تُشكّل حياتك الحالية، لكنها لن تظهر إلا إذا كتبت وكتبت واستمريت على الكتابة.

الكتابة تضعنا في مواجهةٍ مع فِكرنا

الكتابة ليست مجرد مهارة لتجميع النصوص والدراسات والاقتباسات وحبسها في نص متكامل، وإلا كان الذكاء الصناعي حلّ محلّ الكاتب بشكل كامل، بل الكتابة تفكير عميق، يجعلك تطارد الفكرة من كل الجوانب، لكن هذا لا يتأتّى إلا بالصبر والتكرار وإعادة المحاولة.

فالكتابة تحتاج إلى صبر وتؤَدة وإذا أعطيناها حقها ووضعناها في مكانها الحقيقي، أصبحت أداةً لاكتشاف القصور والعوج في تفكيرنا، فالفكرة التي لا نستطيع الكتابة عنها ومشاركة رأينا حولها مع الآخرين، هي فكرة لا نفهمها في الحقيقة، أو ما نملكه حولها مجرد أفكار وآراء آخرين تبنيناها دون وعي.

لكن الكتابة تضعنا في مواجهة مع ذواتنا لنقرأ تلك الأفكار المتجولة في عقولنا ونحدد هويتها، ونضعها في مكانها الحقيقي. ونسترجع جزءًا من ذكرياتنا ومعلوماتنا المخفية في قاع الذاكرة، بالكتابة فقط نستطيع الجمع والربط بين كل تلك الأفكار التي سبق وقرأناها أو جالت في عقولنا، ومن دون الكتابة نفقدها.

وبينما أنا أكتب هذه التدوينة الآن وفي عجالة، أدركت لماذا أضع الكثير من العناوين على مدونتي ثم أتجهالها، أنا لم أتجهالها عبثًا، بل أتجاهلها لأن رصيدي غير كاف للخوض فيها، أو ربما أخشى من ذلك. أو ربما لأنّ ما أعرفه عن تلك الفكرة غير كافٍ وأحتاج إلى قراءة وتوسّع وبحث أكبر، لأشمل الفكرة من جميع جوانبها.

ولأنّ فعل كل ذلك أصعب من قوله، أتهرب من هذا الفعل. ويحدث أحيانًا أن أبدأ فكرة، ثم بعد البكتابة أجد نفسي قد قفزتُ إلى فكرة أخرى مرتبطة بالفكرة بطريقة ما، أو ربما فكرة مناقضة تمامًا، فأعود للهرب مجددًا، لأنني غير واثقة من جدوى ذلك الربط الذي حصل دون وعيٍ مني.

إنّ الكتابة يا صديقي عملية تطويرٍ للأفكار وليس فقط تسجيلها، وهذا ما يصعّب مهمة الكتابة. فأنت خلال الكتابة تضطرّ إلى ترتيب الفكرة تنظيمها وتيسيرها حتى تُصبح قابلةً للفهم من طرف القارئ، وإن لم تجتهد في ذلك لإنت تزيد الأمر صعوبةً عليه، خاصة في هذا الزمن.


أشكرك على قراءتك. ويسرّني استقبال رسالتك، أو طلبك لخدماتي، أو استشارة في الكتابة أو الاشتراك في مجتمع محبرة

بصدر رحب على واتساب.


حقوق الصورة البارزة: من تصميم الذكاء الصناعي.


اكتشاف المزيد من مدوّنة دليلة رقاي

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

4 رأي حول “لماذا لا نقدّر حقيقة أنّ [الكتابة تفكير]؟

  1. عجبتني جدا العبارة: الكتابة ضرورة لكل فرد. المعنى العميق = الكتابة تضعك امام مواجهة مع ضميرك وهذا لعمري أصعب تحدي يواجه الانسان. اما تنحاز لرغباتك فتخسر وأما تنحاز لضميرك فتربح!

    شكرا استاذة دليلة على هذا الموضوع الرائع👌

    Liked by 1 person

أضف تعليق