ما هي المواضيع أو الجوانب التي تخيفني الكتابة عنها؟

مساء الخير…

حين بدأت الكتابة أول مرة استصعبتُ كثيرًا بيع المقالات التي أكتبها، كنتُ أقول في نفسي كيف أبيع بنات أفكاري، و مشاعري التي سكبتها في ذلك النص، ولم أكن أعرف أساسًا أنني أكتُب بالطريقة الخطأ، فقد كنت أمزج روحي بالنص، خاصة حين يتعلق بمواضيع تستهويني، فأشارك فيها بعضًا من تجاربي الشخصية كأمثلة.

ثم تعلمتُ بعد فترة كيف أفصل بين مقالات العملاء، والمقالات التي أشاركها مع جمهوري سواءً في مدونتي أو نشرتي البريدية. لقد تعلمتُ ذلك حين بدأتُ رحلة التدوين، ورحلة كتابة نشرة الحمام الزاجل،. فقد كتبتُ والتزمتُ بها لأزيد من سنتين. وأستطيع القول بعد تجربتي أنّ هناك عدة جوانب تخيفني الكتابة عنها.

الخوف الخفيّ

يتمثل الخوف الخفيّ في تلك المواضيع التي ما إن نقترب منها حتى يجفّ الحبر، ويتوقف القلم عن انسيابيته. وننسحب من تلك الصفحة غير معلنين عن السبب. نغادر الدفتر أو المكتب ونتعذّر بأشياء كثيرة. ليس بسبب المقاومة، وإنما بسبب الخوف.

نغادر دون أن نعترف أمام أنفسنا عن سبب خوفنا من دخول تلك الغابة الغريبة داخل أنفسنا، إو داخل بعض المواضيع التي تكشف لنا ذلك الجانب المظلم منا، فالكتابة أشبه بالمصباح الذي يضيء تلك المساحة فننكشف ونتعرّى للآخر. أعترف أنني فعلتُ ذلك كثيرًا ودون وعي، لقد كدّستُ مؤخرًا الكثير من المسودات.

ولم أعلن حتى لنفسي عن السبب، كتبتُها بشغف وحب لكن ما إن داست قدمي مساحة ما، مَخفية داخل نفسي العميقة حتى رفعتُ راية الاستسلام، وطفقتُ عائدة إلى نفس المكان الذي أعرفه عن نفسي، وأكتبُ منه باستمرار. حتى أنني عدتُ أكثر من مرة لتحرير بعض التدوينات، ووجدت نفسي غير قادرة على الاستمرار في الكتابة، وغير جاهزة لمواجهة عواقب الإعلان عن ذلك ونشره.

بمعنى يا صديقي أنّ هناك بعض المخاوف التي تواجه الكاتب، لكنه غير واعٍ بها وغير مُدرك لها. يتجنبها دون أن يعترف أمام الآخرين أنه يفعل ذلك، ولا حتى أمام نفسه. هو فقط يستمر بالتجاهل والهرب، والأسوء من ذلك أنّه يبالغ كثيرًا في خوفه، ربما لن يحدث أي شيء.

الخوف المرتبط بالأمومة

أذكر أنّ الأستاذة مريم بازرعة تحدثت عن الكتابة في بودكاست رحلة كاتب، وكيف كانت تخيفها حين كان أطفالها صغارًا. لم أفهم خوفها من الكتابة برمّتها في ذلك الوقت، لكن اليوم أفهم جيّدًا ذلك الخوف. تشعر وكأنّ الكتابة تحول بينك وبين ذلك الصغير، تخشى أن تُطبق العنان لكلماتك بالتدفق، فتأخذك بعيدًا عن طفلك فتقصّر فيه حقه.

تخاف أن يحاكمك الآخرون، تخاف أن يصبّ المجتمع جام غضبه عليك، إن عاش ذلك الطفل أي تقصير أو إهمال. حتى وإن كان الطفل طفلك أنت، يظن المحيطون بك أن لهم كل الحق في الحكم عليك. وإن طلبت منهم المساعدة، لن يستجيبوا لك، هم فقط بارعون في مقاضاة الآخر.

أما أنا فأعيش خوفًا مختلفًا مع الكتابة والأمومة. أخاف من التقصير في حق الاثنين، أرى أنّ هذه الفترة من حياة طفلي لن تتكرر، وعليّ الاستمتاع بها والانتباه عليه والعناية به. وفي نفس الوقت، أخشى أن تنقضي هذه الفترة دون أن أكتب فيها، وأُنجز ما أشاركه غدًا مع طفلي.

الخوف من الصدق وإظهار الآراء

نخاف أحيانًا من إبداء آراءنا الحقيقية تجاه قضايا ما. كما نخشى إظهار أفكارنا بشأن الدين والسياسة وبعض التنظيمات والطوائف والكثير من الجهات وحتى الأشخاص وغيرها.

نخشى الخوض في الكتابة دون كبح جماح أنفسنا، وإلجامها حتى لا تخوض في ما لا شأن لها به. خاصة حين يتعلق الأمر ببعض الآراء الفكرية التي لا تخدم مصالح جهات معينة، وتعاقب صاحبها بعض الدول أو الجهات أو حتى المواقع والمنصات.

فتجد الكاتب يداري أفكاره ويتعمّد نشر آراء محايدة، حتى لا يمسّ أيًا من تلك القوانين الصارمة، أو حتى الظالمة. قد تحدثه نفسه خفية بمشاركتها ونشرها، لكنه يضع في الحسبان أهله وذويه، حتى لا يأتيهم إزعاج أو أي نوع من الأذى.

فإذا كنت كاتبًا مبتدئا تهدف للتكسّب من الكتابة، فيفضّل أن تحتفظ بآراءك البعيدة عن الكتابة لنفسك فقط، فليس من مصلحتك غير ذلك، حتى لا تخسر حرفتك من البداية. ستحتاجها لاحقًا، لا أدعوك للسكوت عن الحق. هل فهمت قصدي؟ لا شك أنك فطن وتفهمها في السماء كما نقول بالعامية الجزائرية.

تكاد الرياح تقتلع السقف من فوق رأسي لشدتها، حتى أنها قطعت الإنترنت منذ العصر… أحاول جاهدة الآن إنهاء هذه التدوينة قبل أن تغادرني دون رجعة، سيكون لنا حديث آخر عن هذا الموضوع، وإلى غاية ذلك الوقت، أستودعك الله.


أشكرك على قراءتك. ويسرّني استقبال رسالتك، أو طلبك لخدماتي، أو استشارة في الكتابة أو الاشتراك في مجتمع محبرة

بصدر رحب على واتساب.


حقوق الصورة البارزة: Photo by Yannick Pulver on Unsplash


اكتشاف المزيد من مدوّنة دليلة رقاي

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

أضف تعليق