كيف تركت ندى الطب لتتفرغ للأمومة ثم تنتقل للكتابة؟ [لقاء شيّق مع ندى عباس]

مساء الخيرات…

أجابت الكاتبة والأم المثابرة ندى عباس على الأسئلة منذ فترة، لكنني تأخرتُ في نشرها وبدون عذر مقنع مع الأسف. وها قد حان موعد نشرها، وأنصح كل كاتبة وكل أم أن تقرأ ما سيأتي لأنه رائع ولن تجده في أي مكان، فقد أسهبت ندى في وصف حياتها وفترات انتقالها بين الطب والكتابة والأمومة.

قراءة ممتعة…

كيف تعرّفين نفسك؟

وقفت كثيرًا أمام هذا السؤال ولم أجد جوابًا، فغادرت وانتقلت لما بعده كما كنا نفعل في الاختبارات الدراسية. والآن وبعد أن انتهيت من جميع الأسئلة، عدت لأحملق في السؤال ولم أحرِ جوابًا. ووجدت أخيرًا أنني سأعرّف نفسي كما عرفت بها في نشرتي:

(أنا ندى، زوجة وأم، طبيبة سابقًا وكاتبة محتوى حاليًا)

متى بدأت رحلتك مع الكتابة؟ 

لا يمكنني أن أتحدّث عن رحلتي في الكتابة دون أن أذكر القراءة التي كانت هي الأساس. اهتم أبي -رحمه الله- بشراء جميع أعداد قصص المكتبة الخضراء للأطفال، وكان يقرأ لي وإخوتي -كل مساءٍ- قصةً منها قبل النوم، وعندما انتهت المجموعة اشترى لنا مجموعةً أخرى،

أظن أن اسمها كان سلسلة المكتبة الحديثة، وعندما صار بإمكاني القراءة بنفسي؛ كنت أقرأ مجلة ماجد وقصص ميكي، أتذكر أن أبي -رحمه الله- في إحدى رحلات عمله عاد حاملًا معه ثلاثة مجلدات كبيرة من مجلدات ميكي هديةً لي ولأخواتي. ثم أتت مرحلة قراءة سلاسل (المغامرون الخمسة، والشياطين 13، والمغامرون الثلاثة).

أحببت القراءة وصارت متعتي التي لا يُنازعها في قلبي أي متعةٍ أخرى، وبتُّ أقرأ كل ما تقع عليه يدايّ، وساعدني في ذلك وجود مكتبة متنوعة لا بأس بها في منزلنا حيث قرأت منها: (غادة الكاميليا، الفرسان الثلاثة، حياة الصحابة، جين إير، ديوان عبد الله البردوني، الرهينة، وغيرها لا تحضرني الآن).

 وطوال تلك المدة لم تخطر لي الكتابة، ربما لأني لم أكن قد وجدت المُحفّز بعد، فحصص التعبير في المدرسة كانت مملةً جدًا والمواضيع هي نفسها في كل عام. كان دفتر التعبير خاصتي فارغًا، فالعناوين التي كان المدرسون يطلبون الكتابة عنها لا تستهويني ولا تطرق أي بابٍ في عقلي أو قلبي.

اكتفيت بخلق عوالمٍ في مخيّلتي، وأحداثٍ اخترعها وأعيش معها، ولكن ذلك لم يدفعني للكتابة بعد، فاحتفظت بما يدور في رأسي دون أن أفكّر في نقله للورق.

ثم عرفتني صديقتي على سلاسل روايات مصرية للجيب (رجل المستحيل وملف المستقبل وزهور وكوكتيل 2000) والتي من بعدها لم أترك عددًا منها لم أقراه لدرجة أنني أعدت قراءة الأعداد مراتٍ عديدة. وتبعتها بعد ذلك بقية السلاسل (ما وراء الطبيعة، وفنتازيا، وسفاري، وروايات عالمية…إلخ)،

بدوري عرّفت خالتي التي كانت تصغرني بعام على تلك السلاسل، فصرنا الاثنتين نجمع من مصروفنا وننتظر صدور الأعداد في الصيف لنشتريها، وصار صاحب المكتبة يجهز الروايات عندما تصله لحين ذهاب خالتي لشرائها. 

وفي تلك المرحلة (كنت في المرحلة الإعدادية حينها)، بدأت الكتابة تداعبني وتلعب على أوتار قلبي، وودت أن أؤلف روايات كتلك التي أقرأها، فشرعت أنا وخالتي ننسج الأحداث ونخترع الشخصيات ونسكبها حبرًا على الورق، ولكننا لم نكمل أيً منها، حيث إننا لم نكن نعرف كيف نُنهيها 😅.

انتقلت بعدها لمحاولة كتابة الروايات الرومانسية كتلك التي كان يؤلفها د. نبيل فاروق -رحمه الله- في سلسلة زهور، حتى أنني كنت أُقطّع الورق لمقاسٍ أصغر حتى تصبح ملاءمة للجيب، وأنهيت روايتين (تقنيًا لا يمكن أن أطلق عليها روايتين لأن حجمها كان تقريبًا ثلث حجم روايات مصرية للجيب وعدد صفحاتها أقل، 

لكن دعني أعش في خيال أنني ألّفت روايتين وأنا في ذلك العمر 😎)، أتذكر أن إحداها كانت تحمل اسم (إرادة القدر) وكما قد يوحي لك الاسم فقد كانت نهايتها حزينة، حيث ماتت البطلة في حادث سير أمام عيون حبيبها المكلوم.

على الجانب الآخر كنت أعشق مادة الأدب والبلاغة في المدرسة، وأبرع فيها وفي مادة النحو والصرف. في المرحلة الثانوية كنت أحفظ القصائد حتى تلك التي ليس مطلوب مني حفظها، ألتهم كتاب البلاغة وأنهيه قبل أن يشرحه الأستاذ، وكان مقررًا علينا في كل سنةٍ دراسية من السنوات الثلاث للثانوية كتاب (رجال حول الرسول)، والذي كان مقسمًا لثلاثة أجزاء، ولكن ليس علينا قراءته كاملًا، وإنّما بعض الشخصيات، ولكني قرأته كله وأسرني أسلوب كاتبه خالد محمد خالد.

وصرت في ذلك الوقت أولي اهتمامًا كبيرًا بالشعر، فأقرأ القصائد وأحفظ منها أجزاءً كثيرة، وأحاول استخراج الصور البلاغية منها بمختلف صورها وأشكالها، حتى أنني حين وجدت كتابً جامعيًا خاصًا بالبلاغة وطرق نقد القصائد، قرأته ولخّصته وبدأت أطبّق ما به على قصائد كتاب النصوص الخاص بالمدرسة. 

حاولت أن أقرض الشعر ولكن محاولاتي باءت بالفشل، وكان ما أكتبه لا يرقى لأن يكون قصيدة، كان نثرًا مقفّى أحيانًا، قصيدة واحدة هي محصلة محاولاتي الشعرية، كنت قد كتبتها بعد أن قرأت ديوان الشعر الخاص بأستاذ اللغة العربية -رحمه الله- الذي كان معلمًا وشاعرًا معًا.

لا زلت أتذكر كيف قرأت الديوان كاملًا ومن ثم ذهبت للمطبخ لأغسل الأطباق (لا أدري لم ارتبط الإلهام عندي غالبًا بهذا النشاط)، وبدأت الأبيات تنساب كالماء المنساب أمامي من الصنبور.

غسلت يدي وأسرعت لتدوينها قبل أن تواصل انسيابها لتغوص مع الماء المنساح لفتحة الصرف. لا أدري كيف استطعت أن أدمج أبياتي بعناوين قصائد الأستاذ، كانت القصيدة القصيرة جيدة ولشدة سعادتي بهذا الإنجاز، عرضتها في اليوم التالي على صديقاتي اللاتي أغرقنني بعبارات الثناء والإعجاب (كنت أحتفظ بجميع كتاباتي وخواطري لنفسي ولا أعرضها على أحد إلّا فيما ندر)، صممت إحداهن على عرضها على الأستاذ وأخذت الورقة بنفسها وأعطتها له.

استدعاني الأستاذ وكنت متوجسة وتوقعت أن يطلب مني أن أترك عالم الشعر والشعراء لحاله، ولكنه على العكس أبدى إعجابه بما كتبت وقال أن لدي إمكانية لأن أكون شاعرة، وطلب مني أن أعرض عليه محاولاتي السابقة ليطّلع عليها، وعندما عرضت عليه لاحقًا بعضًا من كتاباتي (اخترت بعض الكتابات، واحتفظت بالبقية لنفسي حتى اليوم)، شجعني على مواصلة الكتابة وكان صادقًا حين أوضح أن ما قرأه لم يكن شعرًا ولكنه نثرٌ جميل على خلاف تلك القصيدة اليتيمة.

واصلت رحلة القراءة التي لم انقطع عنها نهائيًا، ولكن الكتابة صارت على فتراتٍ متباعدة -خاصةً بعد دخول الجامعة- في مشاركاتٍ قليلة في المنتديات الأدبية على الإنترنت، لأعود لها بكل شوق ولهفة بعد سنوات. 

أعرف أني قد أسهبت كثيرًا، ولكن سيل الذكريات العارم جرفني معه.

ما الذي دفعك للكتابة؟

كما ذكرت في إجابتي السابقة، كانت الكتابة تفريغًا لما يدور في رأسي من أفكار وبقلبي من مشاعر، ومحاولةً لتأليف القصص والروايات أسوةً بكُتّابي المفضلين، ومؤخرًا قررت أن أحوّلها لمهنة، ولا أُخفيكِ سرًا أني لو لم أدرس الطب لكنت اخترت كلية الآداب. 

 ما  مصادر إلهامك؟

متنوعة ما بين القراءة والمشاهدة، فقد أقرأ رواية أو حتى عبارة عابرة فتشعل لمبة في رأسي، لا تنطفئ إلّا بعد أن أحوّلها لحروفٍ مكتوبة، وأحيانًا مشهد أو مقطع يوحي لي بفكرةٍ ما.

أيضًا كان التفاعل-بحكم عملي طبيبة- مع أشخاصٍ من مختلف الخلفيات الثقافية والاجتماعية وحتى العمرية، يدفعني للتفكير في عبارة أو موقف ومن ثم أحوّل ما دار برأسي لكلمات.

أستعين بخيالي كثيرًا والذي -بطبيعة الحال- يستند على خلفية من قراءاتي الكثيرة والمتنوعة، حيث أغمض عينيّ وأحاول أن أتخيّل ما أريد الكتابة عنه وكأنه مشهد يُعرض أمامي، قد أشارك في أحداثه أو اكتفي بموقعي بصفتي مشاهدة لما يجري.

هل كنت أما قبل الكتابة أم بعدها؟

كتابة المحتوى بدأتها في نهاية 2022م وعمر أصغر أطفالي حينها عامين.

كيف تصرفتِ في فترة الوحام مع الكتابة؟

كنت حاملًا بابنتي، عندما قررت كتابة سيرة ذاتية عن مرحلةٍ معينةٍ من حياتي على هيئة رواية، أردت توثيق تلك المرحلة المهمة قبل أن تغيب تفاصيلها وتمحيها خطوب الأيام وانشغالاتها من ناحية، ومشاركتها مع الآخرين لبث الأمل في نفوس من عاش تفاصيل مشابهة منهم من ناحيةٍ أخرى.

كنت أمسك بهاتفي -كل صباحٍ- بعد أن أنتهي من مهامي الصباحية المتعلّقة بزوجي وابني والمنزل، وابدأ في الكتابة مع توقفاتٍ كثيرة بسبب الغثيان والشعور بالدوخة، بالإضافة لمقاطعات صغيري التي لا تنتهِ والذي لم يكن يحلو له الجلوس إلا وهو يسند رأسه على بطني.

ألزمت نفسي بإنهاء فصل كل يوم، ولأضمن ذلك كنت أنشر ما كتبت في إحدى المجموعات النسائية على الفيسبوك فور انتهائي من الكتابة ودون أي مراجعة.

كانت عزيمتي تفتر وأشعر بالرغبة في عدم فعل أي شيء، خاصةً أن سلطان النوم كان مسيطرًا عليّ بإحكام في مدة الوحام، ورافقه الغثيان الشنيع، ولكن الذي ساعدني على عدم التوقف هو التزامي أمام الأشخاص الذين تابعوا روايتي بكل شغف واهتمام بصورةٍ لم أكن أتوقعها، وكانت التعليقات تنهال عليَّ بالعشرات بمجرد نشري لفصلٍ من الرواية مما دفعني لمواصلة الكتابة، فكنت أستغل كل لحظةٍ يمكنني الكتابة فيها لأنتهي من الفصل وأنشره في وقته المعتاد يوميًا.

انهيت روايتي بعد شهرٍ وبضعة أيامٍ من الكتابة اليومية دون انقطاع ما عدا يوم الجمعة.

كيف توازنين بين الأمومة والكتابة؟ 

 بصراحة، الموضوع صعب ومُرهق، فالعمل من المنزل يجعلك متاحًا لأطفالك طوال الوقت، حيث لا يمكنك تجاهلهم أو الانعزال عنهم في غرفةٍ مخصصة للكتابة، خاصةً أنهم ما زالوا صغارًا في السن (8 سنوات، و5 سنوات، و4 سنوات).

تخيّلي أن تكوني منغمسةً في كتابة موضوعٍ ما أو فكرة وجدتِها بعد لأي، فيأتي طفلك ليطلب منك إحدى طلبات الأطفال الغريبة، أو طفلتك الصغيرة التي تريد الذهاب للحمام، فينقطع سيل الأفكار وترحل مُغاضِبة، ناهيكِ عن الشجارات التي تتطلّب فك الاشتباك واللجوء لقوات حفظ السلام بصورةٍ طارئة 🥺.

الأمومة وظيفة 24/7 لا يوجد بها أي إجازات، ولها الأولوية، ولكنني أحاول أن أحدد وقت الكتابة بحيث يُصبح مفهومًا لهم أن ماما تعمل من الساعة كذا وحتى كذا، وبرغم ذلك لا زالت غزواتهم المتكررة قائمة، ويبدو أننا سنظل ما بين شدٍ وجذب حتى يستتب الأمن ويحل السلام.

لكن الجميل أن أطفالي باتوا يعرفون أن هناك مهنة اسمها (كتابة المحتوى) وأنها مهمة، ويعرفون رديف وأندراس، ولكنهم لا يحبونهما للأسف 😬، فهم يرون أنهما أخذا من وقتي ما كان من حقهم، بالطبع بالنسبة لهم أي كتابة أكتبها هي خاصة برديف وأندراس 😅 بسبب تكرر هذه الأسماء على أسماعهم حين يسمعونني أتحدث عنهما مع أي أحد.

حاليًا ما زلت أحاول الوصول لأفضل طريقة أوازن فيها بين الأمومة والكتابة، من خلال تحديد ساعات للعمل واستغلال أوقات خروجهم من المنزل رفقة والدهم.

في بداية رحلتك مع الأمومة، هل عشتِ شعور التناقض بين دورك كأمّ وبين شغفك وحماسك للكتابة والحياة المهنية؟  واضح أنكِ كنتِ طبيبة مميزة، هل يمكنك سرد تفاصيل الانتقال إلى الكتابة وكيف ساهمت الأمومة في ذلك؟

لم تكن الكتابة هي مهنتي الأساسية، بل الطب وقد انقطعت عن ممارستها بعد الزواج ومن ثم الإنجاب، ولأكن صادقةً لم تكن تلك الأسباب الوحيدة لتركي مهنة الطب التي أخذت من عمري زمنًا ليس بالقصير، وكنت متميزةً في تخصصي بشهادة زملائي ومرّضاي، ولكن وجودي في الغربة جعلني أقرر أن البقاء في المنزل أهم، ربما لو كنت قريبةً من عائلتي لم أكن لأترك وظيفتي، لأنني سأكون مطمئنة بوجود أطفالي رفقة أمي أو أخواتي.

وبعد سنوات من جلوسي في المنزل اكتشفت أن بإمكاني تحويل شغفي لمهنة وأنا في بيتي؛ قررت أن أخوض التجربة وأرى لأين سأصل، بالطبع، لو وجدت أن الكتابة ستطغى أو تسرق من أطفالي حقهم، ستكون المعركة محسومة لصالحهم ولكني أتمنى ألّا أصل لتلك المرحلة.

وبما أنني بدأت الكتابة وعمر أصغر أطفالي عامين، فأنا لم أمر بتحديات الكتابة بوجود رضيع صغير، وإن كنت أظن أن أبرز تحدٍ كان سيواجهني حينها- وأي أم- هو أن ساعات اليوم بالكامل ستكون معتمدة على ذلك الكائن الصغير الذي لا حول له ولا قوة، فمتى ما قرر النوم سأنام وقد اختلس من تلك السويعات القليلة بعض الوقت للكتابة وهو ما سيكون مرهقًا نفسيًا وجسديًا. 

لا أستطيع التيقن ولكن أظن أنني لو مررت بالتجربة مستقبلًا سأقلّص حجم الأعمال التي أقبلها، بحيث أقبل تلك التي تعطيني المرونة الكافية في وقت إنجازها، حتى لا أُطحن تحت رحى ضغط العمل ومتطلبات الأمومة، وإن تطلّب الأمر سأخذ إجازة أمومة كما هو الحال في أي وظيفة أخرى.

ما هو أكثر شيء تحبينه في الكتابة؟ ما هي اللحظات الممتعة والتحديات التي واجهتها أثناء الكتابة؟

الكتابة تمنحني شعورًا جميلًا لأنني عبرها أستطيع تحويل فكرة عابرة في خاطر شخصٍ واحد لكلماتٍ مقروءة من الجميع. يُذهلني كيف أن ثمانية وعشرين حرفًا قادرة على التعبير عن ملايين الكلمات. الكتابة بالنسبة لي عملية خلق ولكن بشريّة.

استمتع عندما يكون المجال الذي أكتب عنه يستهويني، تتقافز حينها الأفكار في رأسي متدافعة أيها سينال شرف التجسّد على الورق. 

من أبرز التحديات، عندما يُطلب مني الكتابة في مجالٍ لم يسبق لي القراءة عنه ولا أعرف عنه أي شيء، في البداية أشعر بالتردد وأفكر في الرفض، خاصةً لو كان الموضوع متخصص ويحتاج لخلفيةٍ معرفية -على الأقل- بأسس هذا المجال، لكن أسأل نفسي (لِمَ لا؟).

 كل العلوم والمجالات تبقى مجهولةً لنا حتى نتشجّع ونخوض غمارها، فإما العبور للشط الآخر بسلامٍ وحصيلةٍ معرفية جديدة وقدرة على النجاح، أو العودة بإجابة صريحة: أنا لا أستطيع الكتابة عن هذا المجال، نقطة انتهى.

ما هو أكثر كتاب قرأته وترك فيك أثرًا؟

لا يخطر لي الآن كتابٌ بعينه، فكل ما نقرأه يؤثر علينا بصورةٍ ما، سواءً كان ذلك عن إداركٍ منّا أو بغير وعي. فسلاسل د. نبيل فاروق -رحمه الله- منحتني حصيلةً معلوماتية كبيرة، لدرجة أنني خصصت دفترًا كنت أكتب فيه المعلومات التي كان يوردها في الهوامش، وأحوّلها لأسئلةٍ بخياراتٍ متعددة، ومن ثم أُجري المسابقات الثقافية -مستندة عليها- مع أقراني.

 ومن ثم تأثرت بأسلوب د. أحمد خالد توفيق -رحمه الله- حتى أنّ البعض قد ألمح لي أنهم يرون أن كتاباتي الأدبية تشبه أسلوبه إلى حدٍ ما، تحديدًا في الجانب الساخر منها. تعجبني روايات بول سوسمان ودان براون وأتمنى لو استطعت -في يومٍ ما- تأليف رواية تحمل نفس القدر من التشويق والإثارة.

تُسكرني بعض قصائد د. مانع سعيد العُتيبة، وجاسم الصحيح، وأحمد الصيعري، وتجعلني أتساءل من أين أتوا بتلك التشبيهات والاستعارات البديعة. هذا ما يحضرني الآن، وبالتأكيد هناك عديد من الكُتب التي أثرّت بي بصورةٍ أو بأخرى.

هل عشتِ ما يعرف باكتئاب ما بعد الولادة؟ وكيف ساعدتك الكتابة في تخطي ذلك؟

صدقًا، لم أمرّ بهذه التجربة الصعبة، ولكني كنت أفتقد وجود أمي وشقيقاتي وصديقاتي حولي، فجميع ولاداتي كانت وأنا بعيدةٌ عنهم، افتقدت الدعم والمساعدة التي -بالتأكيد- كنت سأنالها منهم، ولكني -ولله الحمد- لم أصل لمرحلة الاكتئاب.

وبالنسبة للكتابة فكنت منقطعة عنها في ذلك الوقت، واكتفيت بالقراءة.

ما الذي تفخرين به في مجالك بصفتك أمًا وكاتبة؟

أنا فخورة بنفسي وبقدرتي على الاهتمام بأطفالي حتى في أصعب اللحظات التي كنت أحتاج فيها لمن يهتم بي، لا أملك رفاهية النوم كما أريد في حالة المرض مثلًا، فحين أمرض لا يمكنني التنصل من مسؤوليات الأمومة، وزوجي لا يملك رفاهية الغياب عن عمله لوقتٍ طويل، فيساعدني بقدر استطاعته. وبالتالي ليس هناك من يُنجز واجباتي سواي، فما بالك بالكتابة وأنت ترتجفين من الحمّى.

وكل كلمة كتبتها أو عمل قدمته لعميل، تجعلني أصعد سلم الفخر درجةً درجة.

الكتابة أم الأمومة؟ هل عصف بك هذا السؤال ذات ليلة؟

الحمد لله لم يعصف بي هذا السؤال حتى الآن، وأتمنى ألّا تصلني رياحه العاتية أبدًا. في رأيك، هل الأمومة هي ما يعطّل الأم الكاتبة؟ أم أنّ  لسوط الموروث والعادات الدور الأكبر في ذلك؟ لا يمكن نفي أن الأم الكاتبة ليست مثل الكاتبة التي ليس لديها أطفالًا،

هذا في حال كانت بقية العوامل متشابهة، فالأم لديها التزامات لا يمكن التنصل منها ولا يمكن حتى تأجيلها، في حين أن هناك مرونة لدى غيرها، وهذا يؤثر على عملها والوقت الذي تملكه لإنجازه. على سبيل المثال، قد تضطر الأم الكاتبة أن تقلّص ساعات نومها حتى توفر بعض الوقت للكتابة بهدوء قبل أن يستيقظ الأطفال، في حين أن الكاتبة الأخرى ليست مضطرة لذلك. وهذا مثالٌ بسيط.

بالنسبة لسوط الموروث والعادات، فبرأيّ أنه يلسع ظهور الجميع، لأنه لا يزال هناك الكثير من الأشخاص الذين لا يعترفون بالكتابة بصفتها مهنة من الأساس، فهم قد يتقبّلون -على مضض-  أن تذهب المرأة للعمل في وظيفةٍ ما ثم تعود لمنزلها، لكن أن تعمل من البيت وفي الكتابة فهذا هو الجنون بعينه.

تخيّلي أن تُعاتبكِ إحداهن بسبب عدم الحضور لمناسبةٍ ما، فتخبرينها أنكِ كنتِ مشغولةً بكتابة محتوىً ما، فتنظر لكِ بعدم فهم ثم تقلّب عينيها وتمصمص شفتاها بامتعاض ولسان حالها يقول (عشنا وشفنا).

تقول مجدولين الرفاعي: “أولادي هم أجمل الروايات التي كتبتها بكل فخر وما زلت أعتز بإنجازاتي العظيمة” ما رأيك أنت ذلك؟

أتفق 100%

تقول الكاتبة إليف شافاق في روايتها حليب أسود: «يوم عرفت أني حامل، ارتعبت المرأة الكاتبة بداخلي…” هل جربت ذلك؟

لا، وأتمنى ألّا أجرب 🙂

أما الكاتبة بثينة العيسى فتقول: “الأمومة مثل الكتابة. إنها عملية استدعاء متواصلة لأمومة النساء السابقات؛ أمي، جدتي، أم جدتي، جدّة جدّتي (..) أنا مجرد حلقة في سلسلة من النساء؛ حمّالات الحكايا، حارسات الذاكرة (..) الأمومة مثل الكتابة؛ إنها محاورة مع أمومة سابقة وانفتاح على أمومةٍ آتية. عملية استدعاء أبدية للذاكرة، وهي المكان الذي تكتسي فيه المجتمعات بالخصوصية، وتحظى بالهوية والتفرد”.

ما تعليقك على هذا الكلام الذي نشرته في عيد الأم من سنوات مضت؟

ربما تكون الأمومة مثل الكتابة، ففي كليهما نتعهد كيانًا صغيرًا بالرعاية والاهتمام، لنراه يكبر أمامنا يومًا بعد يوم، معبرًا إمّا عن نجاحنا أو إخفاقاتنا، قد نستدعي في تجربة الأمومة خبراتنا السابقة مع أمهاتنا أو الأمهات اللواتي عرفناهن بصورةٍ عامة.

والكتابة كذلك تحمل في طياتها استدعاءً لتجاربنا السابقة مع الكتب التي مررنا بها في رحلة القراءة، واستخراجًا لمخزوننا الفكري والأدبي. وفي كلتا الحالتين نصبغ على كلٍ منهما صبغتنا الشخصية وتجربتنا الحياتية والفكرية المتفرّدة عمن سوانا.

لا أعرف إن كنت قد فهمت السؤال بصورة صحيحة؛ فأتت اجابتي صحيحة أو أن السؤال كان في وادٍ وتعليقي في وادٍ آخر 🏃🏻‍♀️

صفي لي الأمومة في جملة واحدة من وجهة نظرك وتجربتك؟

الأمومة تجربة برغم كونيتها إلّا أنها متفرّدة وخاصة لا تتشابه فيها أي أم مع غيرها إلّا بالنزر  اليسير.   

هل لديك نصائح للأمهات اللواتي يرغبن في الكتابة؟

انطلقن وخُضنَّ التجربة باستمتاع دون الخوف من أي فشل، واعلمن أن لكل تجربةٍ خصوصيتها، فلا تُخيفكن حالات الفشل التي قد تكون عاشتها بعض الأمهات الكاتبات. لن تعرفي إن كنتِ ستنجحين أو تفشلين  اعتمادًا على ما عاشته الأخريات، بل بما تخوضين فيه بنفسك.

أعرف أنك نجحت في تحدي رديف ودونت لمدة أربعين يومًا، أحكي لنا تجربتك مع الكتابة والأمومة؟ 

جاء تحدي رديف في وقتٍ كنت قد قررت فيه امتهان كتابة المحتوى، ولكني حينها كنت لا زلت أبحث عن المصادر الصحيحة للتعلُّم، ترددت كثيرًا في خوض التحدي، وكان ما بين التفكير والتنفيذ قرابة الثلاثة أشهر.

كان ترددي نابعٌ من خوفي الفشل في إكمال التحدي والاستمرار في الكتابة لمدة أربعين يومًا، كنت أُقدّم ساقًا وأؤخر آخرى إن جاز هذا التعبير. استشرت زوجي وعائلتي وصديقاتي؛ فوجدت التشجيع من الجميع، وفي لحظة انتصرت فيها روح التحدي على الخوف من الفشل، ونشرت تغريدة أُعلن فيها خوضي التحدي.

كان إيجاد الأفكار لكل تدوينة هو أصعب المراحل، ومن بعدها تأتي مرحلة الكتابة والتي كنت أحاول أن أستغل من أجلها كل لحظة فراغ، خصوصًا أننا كنا حينها في شهر رمضان، فكان الوقت غاليًا ولكل دقيقة ثمنها.

ساعدني زوجي كثيرًا من خلال إعطائي بعض الأفكار للكتابة عنها، كما كانت أكبر مساعدة قدمها لي هي أخذه للأطفال ومنحي الوقت للتركيز على الكتابة. كما أني كنت أستغل وقت نومهم في الكتابة، مجملًا لم تكن التجربة صعبةً جدًا وأظن أن أي أم يمكن أن تخوضها إذا رتبت وقتها وأولوياتها.

أخيرًا وبعد الكثير من الانقطاعات والفصلات وانقطاع سيل الأفكار  وفك الاشتباكات على مدار يومين ، أنهيت الإجابة على الأسئلة 🙂  

وصلنا إلى نهاية لقاء اليوم الممتع، أراك في لقاء آخر مع مبدعة أخرى، إن كنت مهتمًا أو مهتمة بالموضوع ولديك أم تُعرف بتجربتها المميزة في الأمومة والكتابة فلا تبخل بإرسال معلوماتها لتكون ضيفة على مدونتي، ولطلب خدمات الكتابة أو أي استفسار… تواصل مباشرة على:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حقوق الصورة البارزة: الصورة بواسطة Kamaji Ojino On Pixels


اكتشاف المزيد من مدوّنة دليلة رقاي

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

7 رأي حول “كيف تركت ندى الطب لتتفرغ للأمومة ثم تنتقل للكتابة؟ [لقاء شيّق مع ندى عباس]

  1. لقاء ممتاز دليلة وندى

    الأسئلة كانت مميز ومختارة بعناية، وندى إجاباتها كانت خلاقة ومستفيضة

    عمل رائع ومجهود واضح

    صدمت أن أطفالك لا يحبون أندرس، يا إلهي ههههههههه

    إعجاب

اترك رداً على knoz alhir إلغاء الرد