تجربتي مع طفلي صاحب الابتسامة الساحرة بشفته المشقوقة [الشفة الأرنبية]

يا مساء الخير

ترددتُ كثيرًا قبل كتابة هذه التدوينة الخاصة جدًا، لكن حين فكّرتُ في أعداد الأمهات اللواتي يعشن نفس المشاعر التي عشتها، عزمت على الكتابة وأسأل الله أن تكون هذه التدوينة سلوى وتربيت على قلب كل أم. سأسرد تجربتي بكلّ أمانة وأرجو أن تصل إلى كل أم تعيش أو عاشت نفس ما عِشتُه، لتقول لها: لستِ وحدك.

جدول المحتويات

  1. جدول المحتويات
  2. في الطريق إلى المستشفى
  3. الطلق الصناعي: ألم فوق الطبيعي
  4. إلى طاولة الولادة
  5. اللقاء الحقيقي مع ياسين
  6. ما المقصود بشق الشفة؟
  7. الرضاعة الطبيعية لأطفال الشفة المشقوقة
  8. الأكل عند أطفال الشفة المشقوقة
  9. يومٌ كأنّه سنةٌ كاملة
  10. الموعد الأول مع طبيب ياسين
  11. عملية شق الشفة لياسين
  12. خروج ياسين من العملية

في الطريق إلى المستشفى

كاد ينتهي الشهر التاسع من حملي ولا وجود لأي بوادر مخاض؟ وصل الموعد المتفق عليه لولادتي، لكن ياسين طفلٌ صبور ويحب المواعيد الحقيقية واكتمال النصاب -لا وجود لبوادر الولادة- عدتُ إلى طبيبتي النسائية لتعطيني رسالةً أذهب بها للمستشفى، لتطبيق الطلق الصناعي من أجل ولادة طبيعية.

ذهبتُ في الموعد المحدد لكن الطبيب قال أنّه لايزال لديك وقت، وكان الوقت الذي يقصده حوالي أربعة أيام لإتمام تسعة أشهر، كان بودّي أن أتحدث بالأسابيع لا الأشهر، لتفهم النساء أكثر، لكن خفت أن أخطئ فتفاديتُ ذلك. حسنًا، لم يقبلني المستشفى، فذهبتُ إلى مستشفى آخر بعد أن بدأت آلام الطلق الطبيعي.

قضيتُ ليلةً كاملة وأنا أراقب الفارق الزمني بين كل موجة ألم وأخرى، إلى أن طلَعت الشمس، فشددتُ الرحال إلى مستشفى الولاية، وكالعادة قالت أختنا هناك: عودي غدًا صباحًا… وهل تظنين أنّها ورقة تُطبع… أم ماذا؟ هناك حياة شخصين في المنتصف يا سيدتي.

بينما أنا تحت رحمة كل ذلك الألم المتقطع، حتى أصبح بين كل موجة وأخرى دقيقتان أو ثلاث فقط وربما أقلّ. ذهبتُ مضطرة إلى طبيبتي النسائية مجددًا، فقالت: ولادتك ستكون مع العصر على أقصى تقدير أي بعد ساعتين أو ثلاث لا أكثر. لم أتمالك نفسي من الألم فسألتها عن الحلول، فكان الحلّ أن أذهب إلى المستشفى الخاص الذي تعمل به.

تركَت الخيار لي، لكن لم يكن لديّ خيار حينها إلاّ أن أذهب إلى المستشفى الخاص. لا داعي لذكر رحلة الألم التي عشتها في الطريق، لكن سأذكر لكم كمية الراحة التي شعرتُ بها حين دخلتُ إلى المسشتفى الخاص، لقد كان المكان باردًا ومريحًا جدًا… يا إلهي لقد كنتُ أحترق، أحترق من لهيب الشمس وسوط الألم معًا طول الطريق (أزيدُ من ساعة).

الطلق الصناعي: ألم فوق الطبيعي

أخذوني بمنتهى اللطف إلى الغرفة، وقبل أن أدخلها سمعتُ تأوّهات وصرخات… يا إلهي: أهذه غرفة ولادة أم سجن تعذيب أيام النازية؟ للأمانة، لا أدري. دخلتُ وأنا لا أكاد أقف من شدة الألم، جاءت القابلة المعنية بالمهمة وطمأنتني وقالت أنّ طبيبتي أوصتها بي.

كان ذلك مطمئنًا إلى حدٍ ما، لكن لم يدم ذلك طويلًا. فما إن وضعت المحلول في يدي، وأفرغت محتوى إبرة فيه، حتى بدأ الألم يزداد أضعافًا مضاعفة عما كنتُ أشعر به. فكنت أوقف المصل أحيانًا لألتقط أنفاسي… وبعد ساعتين من الألم قررت القابلة أنّه حان الوقت…

إلى طاولة الولادة

كنت أردد دون وعي “لا حول ولا قوة إلا بالله” دون توقف. فأشارت القابلة إلى تغيير الذكر، وقالت لي استغفري يا بنتي… فالاستغفار أيضًا يخفف الألم ويسهّل كل عسير. لا أدري كيف حدث ذلك، لكن ما هي إلا ثوانٍ حتى خرج ياسين إلى الحياة الدنيا، ودخلتُ أنا إلى راحة وهدوء وسرور لا أدري كيف أصفه.

وضعَت القابلة ياسين على صدري بدماءه الساخنة، بعد أن صرخ معلنًا مجيئه لتزيين حياتي. كانت مشاعري مختلطة ويغلب عليها الفرح والطمأنينة، ها قد رأيتُ أخيرًا تلك الأقدام الصغيرة التي ظلت تركل بطني بلا هوادة.

أخذَته بسرعة ولم تتركني حتى أتأمّل تفاصيله، وبينما هم ينظفونه ويلبسونه البدلة التي اخترتها بعناية، ولطالما تأمتلها أيامًا وليالٍ وأنا أنتظر قدومه. جاءت طبيبتي لإنهاء مهامها، ونظَرت إليّ وقالت: ياسين جميل جدًا، لكن لديه… وأشارت إلى شفتيها، تقصد أنّ لديه شقًا في شفته.

وأردفت قائلةً: لكن لا تقلقي، حالته سهلة، ويمكن خياطة ذلك الشق… وأيضًا هو رجل، سيغطي شاربه آثار العملية، لا تخافي عليه. للأمانه لم أفهم شيئًا، فأنا عندما رأيتُ شفته لم أعرف ما نوع حالته، ولا ما أصاب شفته… انتظرتُ رؤيته مجددًا لأعرف ما به.

اللقاء الحقيقي مع ياسين

جاءني ياسين أنيقًا نظيفًا مرتديًا ثيابه، بكيتُ كثيرًا حين رأيته أول مرة، وحين لمسته، ولازلتُ أبكي في كل مرة أتذكّر فيها ذاك اللقاء الأسطوري… حاولتُ إرضاعه لأول مرة، كان متلهفًا وبدأ يحاول لكنه لم يلتقم الثدي بشكل جيّد، وخفت عليه كثيرًا فتوقفتُ.

كان والده في الغرفة معي حينها، أذّن في أذنه والتقط لنا عددًا من الصور، وبينما أنا أنظر إليه وأفكّر في مصيره، حتى جاءت الممرضة وأخذته مني. وأخبرتني الطبيبة أنه حان موعد نقلي إلى غرفة أخرى (اختصرتُ الكثير من التفاصيل التي لا حاجة لها) حيث سأتناول عشائي ثم أنام.

ذهب ياسين وتركني أغرق وسط حيرتي وخوفي وألمي وفرحي… كانت حالة يمكن وصفها بـ لا أدري. ما اسم هذه الحالة، لا أدري. لماذا أصيب بها طفلي، لا أدري. ماذا سيحدث، لا أدري…كيف سأتعامل مع ياسين، لا أدري. كيف أرضعه، لا أدري… لا أدري، لا أدري، أنا حقًا، لا أدري…

بعد أن تناولتُ عشائي، جاءت القابلة، وكانت تمدح صبري وتشكرني على تعاوني، وأنّ ما مررتُ به ليس سهلًا أبدًا، وأن لا أقلق على صغيري، وأن أنام وأرتاح… سمعتُ بعضًا من كلامها والبعض الآخر لم أسمعه، فقط كنتُ أفكّر فقط في ياسين… وماذا يفعلُ بدوني.

جاءت الممرضة وطمأنتني أنّ ياسين في أمانتها مع جميع الرضّع الذين جاؤوا إلى الحياة الدنيا ذلك اليوم. وطلبت أن أرتاح، وحين طلبتُ رضاعة ياسين، رفضت بحجة أنه قد يختنق بالحليب وأنّ عليّ الصبر للصباح… كنتُ متعبة جدًا كمن خرج للتو من معركة، وبينما أنا أفكّر… غلبني النوم، فغفوت.

استيقظتُ على الثالثة فجرًا، حملتُ هاتفي مباشرة، وبدأتُ في البحث عن حالة ياسين ووجدتُ أنّ ياسين مصابٌ بما يسمّى شق الشفة وشق الحلق الصلب (اللثة). ويسمّى أيضًا بالشفة الأرنبية، وهذه حالةٌ يتفائل البعض بها ويسمونا بصمة الملاك. ويتشائم بها آخرون…

حتى أنّ بعضهم يتركون أطفالهم يواجهون الموت خوفًا من ردة فعل المجتمع.

لم أكن لا من هؤلاء ولا أولئك، بل كنتُ من الحائرين… بعد طول بحث وجدت مجموعة مصرية لأطفال شق الشفة والحلق. كنت أتأمل الحالات وحمدتُ الله حين رأيتُ حالات أصعب من حالة ياسين، سلّمتُ أمري لله، ونمتُ بعض الدقائق.

وحين استيقظتُ، طلبتُ رؤية ياسين. فأخبرتني الممرضة أن أصبر، حتى يأتي طبيب الأطفال ويرى ياسين ثم يشرح لي حالته ومن ثمّ يمكنني أخذه. فوجدتُ أنه عليّ أن أصبر وما باليد حيلة. وما هي إلا لحظات حتى عادت الممرضة مجددًا لتخبرني أنّه عليّ شراء ببرونة بحلمة خاصة بأطفال شق الشفة.

أعطتني الوصفة الطبية لأصورها وأرسلها لزوجي حتى يشتريها قبل أن تغلق الصيدليات، لأنه يوم الجمعة. أرسلتها إلى زوجي وفعلًا اشتراها وجاء بها، وما إن رأتها الممرضة حتى قالت أنها ليست المطلوب. وحان موعد صلاة الجمعة وأُغلقت الصيدليات.

كان علينا إحضارها ليرضع ياسين، فهو لم يرضع بشكل جيّد طيلة الليل، فذهب زوجي إلى صيدلية تعمل بشكل مستمرّ حتى وقت صلاة الجمعة، وكان لديه آخر حَلمة لحسن الحظ ولرحمة الله بصغيري. ولما حضرت الحلمَة رضع ياسين وشبع وأخرجوه إلى والده وجدته.

الحلمة الخاصة بأطفال شق اللثة (الصورة مأخوذة من مجموعة فيسبوك).

كان عليّ البقاء في المستشفى إلى المساء لكنني آثرتُ الخروج مع صغيري. صمتُ عن الكلام طول الطريق، لم يكن لديّ ما أقوله. حملت أم زوجي ياسين وهي سعيدة به طول الطريق وهي تحتضنه وتشمّه. عُدتُ لتصفّح المجموعة مجددًا، علّي أن أجدَ شيئًا، ولا أدري ما هو؟

فوجدتُ رابطًا لمجموعة فيسبوك جزائرية، ويا لسعادتي… وجدتُ الكثير من الأمهات يسألن نفس الأسئلة التي تدور في رأسي، والأخريات يُجبن من واقع تجاربهنّ، لا يهمّ إن كانت حالة أطفالهنّ نفس حالة ياسين، المهم أنّني لستُ وحدي.

وصلنا إلى البيت ولم أتمالك نفسي، واستطعتُ حبس دموعي والجميع ينظر إلى ياسين باستغراب. والزوار يسألنني ما به… أو لماذا هو هكذا؟ أو حتى طمئنتي أو إخباري أنه بخير، وأنّ ذلك عادي. تمنيتُ لو آخذ صغيري بعيدًا حتى لا يُشفق عليه أو عليّ أحد. لم أتحمّل الكلام الذي كان في عيونهم، أكثر من الكلام الذي قيل.

حضّرَت له عمته الحليب وبدأنا بإرضاع ياسين، كان والده يعلّم جدته الطريقة الصحيحة لإمساك القارورة، وكيفية توجيه الحَلمة حتى لا يتسرّب الحليب، أو يشرق ياسين. لم أقبل بإرضاع طفلي الحليب الصناعي، فكان الحل هو شراء أداة لاستخراج الحليب الطبيعي وإرضاعه له بطريقة يدوية.

ما المقصود بشق الشفة؟

صورة لشق شفة أحادي، وشق شفة مزدوج مأخوذة من موقع مايو كلينيك.

تعرّف ما يو كلينيك شق الشفة أو الشفة المشقوقة على أنها:

حالة الشفة المشقوقة والحنك المشقوق عبارة عن فتحات أو تشققات في الشفة العليا أو سقف الفم (الحنك) أو كليهما. تحدث الشفة المشقوقة والحنك المشقوق عندما ينمو وجه الجنين وفمه ولا تنغلق الشفة العليا والحنك بشكل كامل.

إن الشفة المشقوقة والحنك المشقوق من أكثر العيوب الولادية شيوعًا. يمكن أن تحدث هذه العيوب الولادية بمفردها أو معًا. في بعض الأحيان قد تسبب المتلازمة هذه العيوب الولادية، ولكن عادةً تكون مجهولة السبب.

وُلد ياسين بشق الشفة الأحادي فقط، مع شق صغير في اللثة، والذي قال الطبيب أنه سيشفى منه بنسبة كبيرة بعد إجراء عملية الشفة، وهناك احتمال عدم حدوث ذلك، ويكون العلاج بعمليات أخرى.

لمعرفة المزيد من التفاصيل الطبية حول الحالة، يُرجى قراءة المقال الذي نشرته مايو كلينيك. فأنا لستُ هنا لذكر الأسباب الطبية. حتى وإن كنتُ عانيتُ من ندرة في المعلومات المتعلقة بالحالة، مثل: كيفية الرضاعة الطبيعية، كيفية النوم، كيف ومتى تُجرى العملية، وما إلى ذلك.

قال طبيب الأطفال الذي شرَح لي الحالة في المستشفى، أنّ أطفال شق الشفة قد يحملون تشوّهات أخرى… ليته سكَتَ هنا. فقد أردف قائلًا أنّ بعضهم يولدون بكلية واحدة، أو ثقب في القلب، أو أوعية مسدودة والكثير من التشوّهات.

قال كل هذا فقط ليخبرني أنّه عليّ إجراء فحوصات وأشعة كاملة لياسين لنتأكد من سلامة بقية أعضائه. والفحص بعد ستة أيام. ليتك صمتّ عند كلمة تشوهات أخرى، فقد عشتُ ستة أيام بلياليها وأنا أفكّر في احتمالية وجود تلك التشوهات.

كنت كل ليلة وبعد أن ينام الجميع، أستيقظ لأراقب ياسين، فقد كانت تلك هي المرة الأولى التي أرى فيها هذه الحالة. كنتُ ألمس وجهه لقد كان فائق النعومة، نعومةٌ لم ألمس مثلها في حياتي. كنتُ أراقبُ قدميه الصغيرتين، وأتساءل كيف لهاته الأقادم الصغيره أن تركل بتلك القوة…

كانت تراني أحيانًا جدته فتنهاني عن تدقيق النظر إليه، وتطلب مني أن أرتاح… ومن أين تأتي الراحة وكل تلك الأسئلة تنهش عقلي، تصعق قلبي… ليس سهلًا أبدًا، وهل تنظنين أنني لستُ متعبة، أو لستُ بحاجة إلى النوم. كانت كل عظامي تؤلمني، وكأنّ أحدًا كسرها عظمةً تلو الأخرى.

أعرف أنّ هذا ما تمرّ به جميع الأمهات، لكن الأم التي ترى طفلها يرضع صناعيًا وتستطيع إرضاعه طبيعيًا لكنها لا تستطيع حرصًا عليه، تتألم أكثر. الأم التي ترى الحليب يتسرّب من فمه كل مرة، تحزن أكثر… والأم التي يسألها الجميع أسئلة موجعة، لا تعرف إجابتها تتأذّى أكثر…

لحسن حظّي أنّ عائلة زوجي احتوت ياسين وأحبّت اختلافه. أعرف أنّ ذلك واجبٌ عليهم. لكن هناك أمهات تطلّقن بسبب هكذا حالات، وأمهات هُجرن، وأمهات اضطررن للتخلّي عن أطفالهم. كان ياسين محظوظًا، وشديد القبول عند الجميع.

الرضاعة الطبيعية لأطفال الشفة المشقوقة

يستطيع الطفل المولود بشفة مشقوقة أن يرضع طبيعيًا. إلى كل أم: إياكِ أن تصدّقي أي طبيب يخبرك أنه لا يمكنك إرضاع طفلك رضاعة طبيعية أو أيّ أحدٍ آخر. وأقصد هنا أطفال شق الشفة فقط. كنتُ سأحرم طفلي من الرضاعة الطبيعة لخوفي عليه، ولتصديقي كلام الطبيب.

لم أجرّب فليس لديّ خبرة، ولا أنسى هنا نصيحة أخت زوجي (لن أنس لها ذلك أبدًا) حين قالت لي: لا تحرمي طفلكِ من صدركِ. وهنا بدأتُ رحلة المحاولة، فقد كان ذلك صعبًا عليّ وعليه في آنٍ واحد. فلم يكن ياسين يستطيع التقام الثدي بشكل صحيح، لذلك أعنتُه بالرضاعة الصناعية لأول شهرين ثم توقفت.

بعد طول محاولة نجحتُ أنا وياسين في رحلة الرضاعة الطبيعية، كانت هناك لحظات صعبة لكن الرحلة بأكملها كانت رائعة ولله الحمد. فلا تحرمي طفلك من الرضاعة الطبيعية إلا إذا كان الأمر مستحيلًا، فمن حقّ كل طفل أن يرضع طبيعيا.

الأكل عند أطفال الشفة المشقوقة

استمرت رحلتي مع ياسين أربعة أشهر، وربّي إنها لمن أجمل الشهور. مضت بكل ما فيها من سهرٍ وخوفٍ وحيرةٍ وقلّة حيلة. لكنها في النهاية مرّت بسلام والحمد لله. وجاء موعد إطعام ياسين أول اللقيمات، لم يكن ذلك صعبًا عليّ، لكنه كان صعبًا عليه. لن أنسى تجربة أكله أبدًا. خاصة حين يخرج الأكل من شق شفته…

حدث ذلك في كل مرة يأكل فيها، لكنني لا أنسى حين كان يعيد الأكل بأصبعه الصغيرة مساعدًا نفسه على البَلع، ثم يسدّ تلك الفتحة بأصبعه الصغير… كانت تلك الحركة اللطيفة تحرقُ داخلي، وتكسرني. كنتُ أراقب ميزانه يومًا بعد يوم انتظارًا للعملية، التي سيأتي ذكرها لاحقًا.

يومٌ كأنّه سنةٌ كاملة

خرجتُ مع زوجي وياسين وزوجة عم زوجي (سيدة طيبة وحنونة، امرأةٌ أحبّها ياسين لاحقًا ويركض إليها وكأنها أمه) أمضت معي يومًا بطوله من الفجر إلى العصر وهي صائمة. لم تشرب أو تأكل شيئًا، فقط تهتم وتحمل ياسين. لن أنسى لها موقفها ما حييت.

دخلنا إلى الطبيب وفحصه وسألني بعض الأسئلة ثم وجّهنا إلى حيث أقسام الأشعة التي على ياسين إجراءها… انتظرنا بعض الشيء ودخل ياسين ليُجري الكشف الأول عن أعضائه الداخلية، شُلّت قدماي من الخوف ولم أستطع الدخول معه، وانتظرته خارجًا.

وأول ما خرج ياسين هرعتُ إلى النتيجة ولله الحمد والمنة أنها إيجابية، ياسين سليمٌ مُعافى. ثم جاء دور الكشف الثاني… تخيّل أنني وبعد طول انتظار ذهبتُ إلى السيارة، لم أحتمل الانتظار… وهناك انهرتُ بالبكاء، لم يكن لدي إلا البكاء، لا أدري كيف أصف تلك اللحظات… كانت أصعب مما تخيلت.

بعد أن بكيتُ كثيرًا ودعوتُ كثيرًا… جاء ياسين، وبشّرني والده أنه بخير ولله الحمد، وكل أعضاءه موجودة وسليمة. لكن لم تنته الرحلة، فقد كان علينا زيارة طبيب الأسنان، وقسم طب الأطفال للحصول على عدة أجوبة وإرشادات.

كان يومًا من أصعب الأيام، لكنني وبفضل الله أنظر إليه اليوم وأرى لطف الله ورحمته بنا في ذلك اليوم.

الموعد الأول مع طبيب ياسين

هل تذكر معي تلك الليال الستة التي قضيتُها أتمعّن في تفاصيل ياسين. في إحدى تلك الليالي توصّلتُ إلى مجموعة جزائرية لأطفال شق الشفة والحلق، من خلال مجموعة مصرية على فيسبوك. أذكر أنني تصفحتُ جميع منشوراتها منذ فُتحت المجموعة.

وهناك تعرّفتُ على إحدى الأمهات، وتعرّفتُ أيضًا على طبيب ياسين. كان طبيب المستشفى قد نصحني بأخذه إلى وهران، فسألتُ هناك عن طبيب كفئ، لكنني في نهاية المطاف لم أصل إلى قرار… وألغيتُ وهران من مخططي.

ربما كان حدسُ أمّ، أو القدَر… لا أدري. لكنني رفضتُ وهران جملةً وتفصيلًا.

أعطتني إحدى الأمهات رقم الدكتور محمود بن محمود، وهو أخصائيّ في جراحة تشوهات الأطفال. سجلتُ رقمه وتواصلتُ معه على واتساب بعد أن أرسلتُ له جميع التقارير الطبية، مع صورة لياسين. ليأتي ردّه بعد دقائق.

جاءت رسالته كالبلسم على قلبي، كانت رسالةً مطمئنة بشكل لا يوصف. قطعت تلك الرسالة حيرتي، وهدّأت من روعي، كانت كالماء البارد يطفئ لهيب قلبي. قد تكون الرسالة عادية في نظر القارئ. لكنها عنَت لي الكثير، قال فيها:

راني حاليا في عطلة اتصلي بيا في بداية شهر سبتمبر الحالة انتاع وليدك بسيطة ما تتحيريش ان شاء الله خير.

صورة لردّ الطبيب محمود بن محمود على رسالتي.

انتظرتُ نهاية عطلته بفارغ الصبر، وحين انتهت اتصلتُ به هاتفيًا، فردّ مباشرةً وسألني عن حالته ووزنه وغيرها… وأخبرني أن أزوره حين يبلغ ياسين ثلاثة أشهر. انتظرتُ حتى أكمل ياسين الثلاثة أشهر الأولى، وذهبنَا به إلى ولاية سطيف، وهنا لا أنسى لزوجي استماعه لي، وقبوله الذهاب دون تردد في ظل النصائح التي تقول أنّ أطباء وهران أحسن، ووو…

أتمّ ياسين ثلاثة أشهر وحان موعد زيارة الطبيب. شددنا الرحال من غرب الجزائر إلى شرقها، إلى ولاية سطيف. كان كل شيء يسيرًا منذ خروجنا من المنزل إلى غاية لقاءنا مع الطبيب. بتنا ليلتنا الأولى في فندق الهضاب المجاور لعيادة الطبيب. وفي فجر اليوم التالي خرج زوجي لتسجيل اسم ياسين في قائمة الانتظار.

وفي حدود الساعة العاشرة صباحًا ذهبنا، وقد قدّمتنا الممرضة نظرًا لكوننا من الغرب، حتى أنّ الطبيب قال مازحًا أنه هو من كان سيأتي إلينا لو علم بمجيئنا. وبعد معاينة الطبيب لياسين قال أنّ عملية شق الشفة ستكون بعد أربعة أشهر أي حين يبلغ ياسين سبعة أشهر والتي سيكون توقيتها في رمضان 2025.

أما بالنسبة لشق اللثة فهناك احتمال انغلاق تلك الفتحة بعد عملية الشفة، وفي حال لم تنغلق يجب إجراء عملية زرع عظم في مكان الفتحة حين يبلغ ياسين خمس سنوات بإذن الله، وستكون هناك متابعة مع طبيب أسنان لتسوية الأسنان في حال كانت غير مرتبة أو فيها نقصان.

قضينا وقتًا ممتعًا في سطيف رفقة ياسين، وأخذنا له الكثير من الصور في مدينة الملاهي وحديقة الحيوانات، وعدنا في اليوم التالي إلى المنزل، واستقبلته عائلته الجميلة في جوّ من الحميمية والشوق.

عملية شق الشفة لياسين

عشتُ أيامًا صعبة وأنا أنتظر العملية، وأحاول إرضاع ياسين وإطعامه ما استطعت ليتجاوز وزنه 7.5 كلغ. لأن الطبيب اشترط أن يكون وزنه يتجاوز هذا الوزن، وأن يتجاوز الستة أشهر، (لقد سبب لي وزنه عقدة حرفيًا…) وهنا كنت مستغربة في بعض الأطباء الذين كانوا يجرون العمليات لرضّع بعمرٍ أقل من أربع وثلاثة أشهر…

كان عمر ياسين سبعة أشهر حين أجرى العملية وكنتُ أراه صغيرًا جدًا لا يقوى على كل هذا الألم.

قبل العملية بأسبوعين أو أقل أجرينا التحاليل الطبية اللازمة لياسين، كان أخذ عيّنة من الدم صعبًا عليّ، فكيف بعملية خياطة أنف وشفة… بعد ظهور نتيجة التحاليل أرسلتها إلى الطبيب، وأخبرته عن وزنه وأنه بصحة جيدة. فقد أوصاني إن كان به حرارة أو مصابٌ بالزكام أن أتصل به لتأجيل العملية.

مرّت أول تسعة أيام من شهر رمضان، حزمتُ أمتعتنا وجهّزتُ كلّ ما يجب تجهيزه، وخططنا للبقاء في مقرّ جمعية المعالي، لأنّ البقاء 11 يومًا في الفندق باهض الثمن. وحين وصلنا هناك تواصل معنا رئيس جمعية المعالي (وقع اختياري على جمعية المعالي لأنني كنت عضوًا فيها أيام الجامعة).

استقبَلَنا الأستاذ كمال (الذي جمعنا به الأستاذ عبد الله الذي كان طالبًا معي في رشد) وأخذنا إلى بيته، فرحّبتْ بنا زوجته وابنته أيّما ترحيب، ولا أنسى لزوجته ذلك الحضن الذي استقبلتني به، أشعَرني بالأمان جدًا. فقد كان شعوري مزيجًا بين الخوف والقلق والحيرة وحتى الحياء، فقد أقلقنا راحة عائلة كاملة، دون أن نستأذنهم. (لم نخطط للبقاء عندهم).

بتنا ليلتنا الأولى هناك عند الأستاذ كمال بارك الله فيه وزاده من فضله. وفي اليوم التالي انتقلنا رفقة زوجة الأستاذ كمال وابنها حفظه الله، إلى مقرّ الجمعية. كان الجو باردًا جدًا في المقرّ، رغم الدفئ في الخارج، ووجود جهاز تدفئة في المقر.

ذهب زوجي لجلب جهاز أو بالأحرى دعامة الأنف التي تُستخدم في تثبيت الأنف بعد العملية. فقد اشتريناها من العاصمة، وأُرسلت لنا في سطيف.

لم أستطع تحمّل البرد، ليس من أجلي بل من أجل ياسين. فقد خفتُ عليه من المرض، لأنّ مرضه سيؤجّل العملية. وحينها قررنا الانتقال إلى المبيت في الفندق، وقبل الذهاب اتصل زوجي بالأستاذ كمال، وأخبره بقرار رحيلنا إلى الفندق.

رفض الأستاذ كمال ذلك، وأخبرنا بأن ننتظره إلى غاية صلاة العصر. فانتظرنا إلى ذلك الوقت، فلا بأس بانتظار ساعتين فقد انتظرنا أشهرًا وأكثر… أذّن المؤذّن لصلاة العصر، والتقى زوجي مع الأستاذ كمال، جهزتُ أغراضنا وخرجنا سويًا من المقرّ باتجاه منزل أحد الإخوة، الذي لا نعرف عنه شيئًا، سوى أنّه رجل شهم، وصاحب خير.

توقفت السيارة بعد أن سِرنا حوالي ربع ساعة، ترجّلنا من السيارة وإذ برجل شاب يستقبلنا بحرارة، ويرافقه عجوز كبير يضع قبعة فرنسية تزيده وقارًا… أشاروا علينا بالدخول بعد الكثير من التِرحاب، وما إن دخلتُ المنزل، حتى استقبلتني سيدة عجوز بحضن دافئ، غمرتني بلطف لا يوصف، وأدخلتنا إلى جزء من الطابق الأرضي لمنزلهم.

جُهزت الغرفة بكل ما نستحق، ثلاجة، تلفاز، فراش، تدفئة…، طاولة وكراسي، قهوة، تمر، ماء… تجهيزات فندقية بمعنى الكلمة. وقبل المغرب بربع ساعة، جاءت خالتي فريدة تحمل طعام الإفطار، قدمته لنا وقالت ضاحكة: حريرتنا ليست مثل حريرة الغرب. (تقصد طبق الحساء الرئيسي في ولايات الجزائر في رمضان).

تركت لنا كل ما نحتاج أكله وغادرت متمنية لنا إفطارًا شهيًا، نظرتُ إلى ياسين وحمدتُ الله الذي أكرمنا لأجله. بعد الإفطار، كنتُ أحمل همّ صيام ياسين من الواحدة ليلًا إلى غاية الثامنة صباحًا. خفتُ كثيرًا… تناول ياسين حساءه، ثم أرضعته ونمنا مبكّرًا، منتصف الليل تقريبًا.

نام ياسين ثم استيقظ على الساعة الثالثة فجرًا، فأرضعته دون أن أنتبه. ثم جاء وقت السحور وصلاة الفجر، فاستيقظ ياسين ليرافقنا وهو يراقبنا ونحن نأكل متحسّرًا، هكذا كان يبدو من نظراته. استمرّ ياسين مستيقضًا إلى غاية الساعة السادسة ونصف.

كان يبكي طلبًا للحليب، لاعبته حتى نام من التعب. لم أضعه في فراشه، بل انتظرتُ موعد الخروج وأنا أتأمله وهو نائم بين ذراعي. مرّ الوقت بسرعة، وخرج زوجي لإحضار سيارة أجرة، لكن والد الأخ محمد رفض وأخبره أنّ هناك من سيأخذنا إلى المستشفى.

عاد زوجي مطمئنًا وانتظرنا الوقت المناسب للخروج. وصلنا إلى المستشفى وجلستُ أنا رفقة ياسين وهو نائم، وذهب زوجي لإجراء المعاملات الروتينية لأي عملية… جاء دورنا ورافقتني الممرضة إلى طابق في الأعلى، أدخلتني إحدى الغرف، حيث وجدتُ رفقاء ياسين هناك.

طلبت الممرضة قياس حرارة ياسين، ففعلتُ. وأخبرتني أنّ دوري سيأتي لاحقًا، استيقظ ياسين وبينما أنا أتأمله حتى جاء طبيب آخر ونادى باسم ياسين… فأجبته، حمله من بين يدي وذهب به بعيدًا عني، لحقته حتى اختفى في الرواق، وجاءت ممرضة وطلبت مني العودة إلى الغرفة لأنّ ياسين سيدخل غرفة العمليات.

ما أقسى تلك اللحظة، ظننتُ أنّ لدي الكثير من الوقت رفقة ياسين، لكنهم أخذوه مني على حين غرّة، بكيتُ لحظتها كثيرًا… لم أتحمّل، حتى أنني لم أصوّره الصورة الأخيرة (كان هاتفي مكسورًا حينها). انتظرتُ في غرفة أخرى مع أمهات أخريات، نتجاذب أطراف الحديث حول قصص مرض أطفالنا.

خروج ياسين من العملية

مرت ساعتين ونصف تقريبًا، وجاءني طبيب التخدير يحمل ياسين وهو كالبرعم الذابل المصفرّ على كتفيه، وضعه أمامي وسألني عن رأيي في شكله، لم أهتم لشكله بل أرعبني منظره المصفرّ ووجهه المنتفخ… سألته إن كان مستيقظَا، فأمسكه بلطف من أذنه، فبكى… فاطمئنّ قلبي، وانتبهتُ لشفتيه.

كان صغيري رائعًا قبل وبعد العملية، فأنا أراه جميلًا في كل حالاته. قمطته قبل أن يستيقظ، وبقيتُ أراقبه، وجاءت ممرضة تحمل مصلًا مالحًا، وحقنة من أجل إطعامه بها، وضمادات للتنظيف، علمتني كيف أنظف جرحه النازف وغادرت.

كان عليّ تنظيف جرحه كلما نزِف بالمصل، وتنشيفه بالضمادة عن طريق الطبطبة فقط ودون الضغط على الجرح، كانت العملية صعبةً في البداية، ثم تعودتُ… استيقظ ياسين وبدأ يبكي، حملتُه كثيرًا وتمشيتُ به في الغرفة، إلى أن جاء الوقت المسموح لإطعامه.

استخرجت الحليب الطبيعي يواسطة شفاطة الحليب وأرضعته بواسطة الحقنة المخصصة له، كانت الرِضاعة عبارة عن تقطير فقط… شرب حوالي 30 مل، وعاد للنوم مجددًا، كان صائمًا المسكين، حتى أنه أمسَك قبلنا.

لم يبك صغيري كثيرًا كما توقعت، مرّ مساء ذلك اليوم بسلام. رآه كل من يحبه من خلال كاميرا هاتف والده، وزارتني خالتي فريدة وأحضرت لي تمرًا ولبنًا، وأخبرتني أنها سترسل لي فطورًا وقت الزيارة أي بعد المغرب، لكن لم أكن بحاجة إلى ذلك ولله الحمد.

أمضينا 12 يومًا من رمضان في سطيف إلى أن جاء موعد زياردة الطبيب، كان يومًا أصعب أيضًا. لقد خفتُ كثيرًا من التقصير في العناية بجرحه، كنتُ أترقّب ما سيقوله الطبيب لدرجة أنني أُصبتُ بآلام في معدتي ورجفة في ركتباي، ولا أدري كيف مضى الوقتُ حتى وجدتُ نفسي أمام الطبيب وهو يقول لي:

  • برافو لقد نظفته جيدًا، واعتنيت به حتى زال خيط الجراحة بسرعة.

أعطانا عددًا من النصائح وكانت كالتالي:

  • تنظيف الجرح بالمصل المالح باستمرار، حتى تزول بقايا خيط الجراحة كليًا.
  • استعمال مرهم كيلو كوت مع مساج خفيف حتى يجفّ المرهم مرتين يوميًا.
  • استعمال العسل الطبيعي مع زيت الضرو على الجرح ليلًا.
  • العودة بعد أربعة أشهر.
  • عدم تعريض ياسين لأشعة الشمس المُباشرة.
  • استعمال دعامة الأنف لمدة سبعة أشهر.

طبقتُ كل ذلك إلا واحدة لم أنجح فيها كما يجب. وهي دعامة الأنف، فقد كان ياسين يبكي منها كثيرًا، ويرفض البقاء معي غيري، ربما تذكّره بأيام العملية، لا أدري لكن حالته تصعب عليّ كثيرًا. تأتي دعامات الأنف بنوعيات وأرقام مختلفة، كلٌ حسب عمره ونوع عمليته.

صورة لدعامة الأنف تشبه التي استخدمناها لياسين.

ترددتُ كثيرًا وتوقفتُ كثيرًا وأنا أكتب هذا المقال. لقد أجرى ياسين العملية في شهر مارس الماضي، ورآه طبيبه في جويلية وطمأننا أنه بخير ولله الحمد، وأتمّ ياسين سنته الأولى ولم أستطع نشر المقال.

كانت تجربة صعبة جدًا، لكن ما كان الله ليضعني في هذا الامتحان دون أن يزودني بالصبر الكافي لتحمّل مشقّته. صحيحٌ أنّ كل شيء مضى بسلام وأسأل الله ألا يحتاج ياسين لعملية أخرى (وأقصد عملية اللثة وزراعة العظم، وهي عملية تجرى لإصلاح شق اللثة).

إلا أنني لن أنسى أبدًا كل الكلام الذي قيل لي، سواءً كان موجعًا مهينًا… أو كان مشجعًا محفزًا، وأقول لكل أمّ تمرّ بهذه التجربة أو أي تجربة أخرى، أنا أشعر بك، وأنا معك… تأكدي أنّ الله لا يمنح هذه الاختبارات الصعبة إلا للأمهات العظيمات (مع أنه كل أم عظيمة) ولحكمة هو يعلمها سبحانه.

وبعد تعافي ياسين أدركتُ أنّ الأيام الصعبة لا تكسرنا بل تقوّينا، وتجعلنا نكتشف أجزاءً مختلفة منّا، لم نكن لنكتشفها لولا تلك الاختبارات الصعبة. وعرفتُ أنّ الإنسان ضعيفٌ جدًا وجهولٌ أيضًا، تخيّل أنّ ولادة طفل مكتمل الأعضاء نعمةٌ لا يدركها إلا من فقدها.

في حين يتنمّر البعض في شكل مقرف مثيرٍ للغثيان… ومن هنا أقول: لن أسامح أبدًا أي شخص مهما كان آذاني في ياسين، في الوقت الذي احتجتُ فيه إلى نظرة طيبة فقط ولم أطمع في الكلمة الطيبة أو الموقف الطيب.

يعطينا الله أثمن الأشياء مجانًا، ولا ندرك قيمتها إلا حين نفقدها، ونعوَّها بأشياء أقل منها في الجودة وبمبالغ طائلة. فقدّروا نعم الله عليمن حتى لو كانت مجانية.

إلى هنا ينتهي المقال، حاولتُ إدراج رأي الطبيب وإرشاداته الطبية التي طلبتها منه، وأخبرني أنه سيجيب على كل أسئلتي باللغة الفرنسية لأترجمها وأُدرجها في المقال، لكنني لم أتوفق في ذلك للأسف. لكنني سأنشرها ما إن تتوفر لدي.

كان بإمكاني الكتابة بشيء من التفصيل والاسهاب، لكن الموضوع حساس جدًا بالنسبة لي، وعند كل موقف او جملة قيلت لي قد أبكي ساعة… لذلك آثرتُ أن يبقى المقال سلسًا وتحدثتُ فيه كمن تحدّث أختها فقط. فإن كنتِ مهتمة بمواضيع تخص الرضاعة الطبيعية والحمل والولادة، فباستطاعتي الكتابة أكثر عن ذلك.

إلى كل شخص لديه تجربة إنسانية أيًا كان نوعها، شاركها مع غيرك… هناك الكثير ممن ينتظر في صمت، لتكتب أنت ويعرف أنه ليس وحده، خاصة في زمن المثالية والتصنّع والمادية القاتلة.

لديك رسالة ترغب بتوجيهها لي، أو طلب خدماتي في الكتابة… تواصل معي مباشرة على تلجرام وستجدني حاضرة هناك.


حقوق الصورة البارزة: صورةٌ لياسين حفظه الله بعمر أسبوع.


اكتشاف المزيد من مدوّنة دليلة رقاي

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

8 رأي حول “تجربتي مع طفلي صاحب الابتسامة الساحرة بشفته المشقوقة [الشفة الأرنبية]

  1. أولا احييك أختي دلال على شجاعتك في مشاركتنا كل هذه التفاصيل،والشفاء العاجل لفلذة كبدك ياسين حفضه الله ،لقد عشت معك هذه التجربة وانا اتذكر تجربتي مع مولودي الاول، رغم انه سليم وبحكم نقص التجربة فإنها فريدة، واليوم اصبح شاب سنة اولى طب، وانت كذلك يادليلة سيكبر ابنك وتفرحين بنجاحاته وتنسى كل الالام التي مررت بها، وتصبح مجرد ذكريات.

    إعجاب

  2. ياسين البطل ابن دليلة المجاهدة🥺

    صديقتي العزيزة آجرك الله و أحسن إليك وجعل مصاب ياسين وصبرك انت والوالد تكفيرا عن ذنوبكما.. ثم إنني بكيت معك حين بكيت.. و تأثرت حين كل.. بل سطر كنت متأثرة.. يااربي عاف حبيبي ياسين وأسبغ عليه بشفائك. .. تلفتلي غاليتي

    إعجاب

أضف تعليق