ما هي اللحظة التي شعرت فيها دليلة أنها كاتبة؟

مساء الخير…

لا أدري إذا كان هناك من يترقّب إشعار مدونتي، وينتظر مني نصًا جديدًا. أما عنّي فقد اشتقتُ كثيرًا إلى الظهور بين إشعارات هاتفك، ومخاطبتك والحديث معك… ليس لإزعاجك أو تشتيتك، ولا سرقة انتباهك، وإنما لنشدّ على أيدي بعضنا البعض، لنشدّ الرجال نحو واقع أفضل، نصنعه من خلال حروفنا.

أنا هنا اليوم لأكتب مع متدربات مجتمع محبرة، وأشارك معهنّ في تحدي “اكتشاف الذات الكاتبة“. لأحاول معهنّ استعادة ذكرياتي مع الكتابة، وكيف نَمى الحلم وكَبُر بداخلي، إلى أن بدأ يتحقق شيئًا فشيئًا، ولو أنني لم أصل بعدُ إلى ما أطمح إليه، لكن يكفي من وصلت حروفي إليهم اليوم، فهذا أفضل من أن تظلّ حروفي حبيسة الدفاتر تحت الركام، أليس كذلك؟

لحظات من الذاكرة

لازلتُ أذكر تلك اللحظة التي صفّق لي فيها جميع زملائي في القسم، صفّقوا جميعًا دون استثناء، ونظروا باتجاهي حتى شعرتُ أن لهيبًا يلفح وجنتي من شدة الخجل. توقف التصفيق ونظَرت الأستاذة إلي قائلة: ما شاء الله دليلة، كتاباتك رائعة وتُجبر القارئ على التوقف عن كلماتك.


كان ذلك في حصة اللغة العربية في الثانوية، حينها لم أشعر أنّي كاتبة، بل قلت في نفسي إنهم يبالغون فقط، وذلك لأن مستواهم في الكتابة لا يرقى إلى مستواي حينها، لكنني اكتشفتُ أنّ لحروفي روح، وحياة… وإلا لما وصلت إلى الأخر، على الأقل تأكدت أنّ لحروفي أثر بطريقة ما.

مرت الأيام، واستمرّت الكتابة الخفية معي، كنت أكتب في الحصص المملة، أفتح آخر الدفتر وأكتب… أكتب كثيرا، كانت كتاباتي فلسفية، لا أدري لماذا فقدت ذلك الحس الفلسفي، ربما لأنني علقت في قوالب وصناديق نمطية، وصدّقتُ الكثير من الأفكار التي لا تشبهني.

كتبت في فترة المراهقة شعرًا، أما اليوم أرى أنني أبعد ما أكون عن الشعر، وربما أكرهه حتى… لأننا كنا مضطرين لحفظه في كثير من المستويات الدراسية، في حين أنّ الشعر يحتاج إلى تذوّق وتأمل، وغوص في الشعور الذي يخرجه النص الشعري من أعماقنا.

ربما كتبتُ الشعر طلبا لتلك المكانة التي يحظى بها الشعراء على مرّ العصور، والدليل أنني كتبته ثم رميت كل أشعاري، رميتها وكأنها لا تعني لي شيئا. مضت الأيام ولازال هاجس الكتابة يلاحقني، لكنه كان هاجسًا دون أي فعل، ودون أي اختيار، كتبتُ خفية وكأنني أسرق الكلمات والمشاعر من قلب أحدهم، وليس من قلبي أنا.

كتبتُ وتقمصت أدوارا كثيرة، كتبت كثيرا عن الحب والشوق والانتظار…، كتبت بحزن أكثر من أي شعور آخر. حتى أنني تمسكت به لفترة من الزمن لأنه كان يعطيني شيئا من الإبداع والاختلاف والتفرد، لا أدري كيف ومتى اشتريت هذه الفكرة، وأقصد فكرة الحزن وكيف يمنح صاحبه شيئا من المهابة والعظمة، هل حقا كل المبدعين والمختلفين أشخاص عشّش الحزن في قلوبهم؟ أنا حقا لا أدري.


كانت تستهويني جدًا تلك التعابير التي ينقبض لها القلب، وتتصاعد حين قراءتها الأنفاس، وتدمع لها العيون، كنت أود أن أكون ذلك الشخص الذي حين يكتب يترك في القارئ شعورا عميقا لا يغادره، شعورًا يجعله يتفكر في تلك الكلمات، لكنني كنت مخطئة لأنني أدركت مؤخرًا أنّ أفضل مشاعر تبعثها في القارئ هي مشاعر الوعي والإدراك، أن تهز القارئ بكلماتك ليلتفت حوله ويبحث عن حلم، أمل، خيار، قرار… يأخذه لمكان أفضل، وحياة أجمل، وشعور أعمق.

لحظة حاسمة

هل قرأت كتابي؟ كتاب رحلة كاتب محتوى، ذلك الكتاب الذي بدأتُه بقصة حقيقية عن نفسي، حين كتبتُ تلك القصة أول مرة، ورأيتُ كيف تفاعل القُراء معها، تلك اللحظة شعرتُ فيها أنني كاتبة. أما عن اللحظات السابقة فقد حلمت، وتمنيت…أما في تلك اللحظة فقد اخترتُ، وهناك فرق بين التمنّي والاختيار.

ومنذ ذلك اليوم وأنا أكتب وأنشر على الإنترنت، وأحاول تحسين مهاراتي وإيصال كلماتي… وأحيا ككاتبة حقيقية، وليس فقط أرجو وأتمنى. وأنتِ أيضًا… توقفي عن الحلم بالكتابة فقط، واشتركي في مجتمع محبرة، واجعلي حلمك حقيقة تُعاش في كل لحظة من أيامك القادمة.

هل تعرفين ماذا أخبرني الذكاء الاصطناعي حين سألته عن محبرة؟

قال لي:

إذا كنت تقولين دائمًا: “أريد أن أكتب … لكن”فمحبرة خُلقت خصيصًا من أجل هذا الـ”لكن”.

وأنا أقول لكِ: أننا في محبرة نريد أن نأخذ بيدك عبر الدروب المجرّبة، والصحيحة، والآمنة… لأننا سِرنا قبلكِ في الدروب الخاطئة، والطويلة، وغير الآمنة، ولم نصِل.


أشكرك على قراءتك. ويسرّني استقبال رسالتك، أو طلبك لخدماتي، أو استشارة في الكتابة أو الاشتراك في مجتمع محبرة

بصدر رحب على واتساب.


حقوق الصورة البارزة: من تصميم المبدعة حنان مخطاري.


اكتشاف المزيد من مدوّنة دليلة رقاي

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

رأيان حول “ما هي اللحظة التي شعرت فيها دليلة أنها كاتبة؟

اترك رداً على دليلة رقاي إلغاء الرد