قصتي الأسطورية

 بعد نجاحي في شهادة البكالوريا [تخصص رياضيات]. قرّرنا أنا وصديقتي حنان دخول المدرسة العليا للأساتذة في الجزائر العاصمة، [لأجل وظيفة مضمونة وكأننا نضمن حياتنا بعد التخرّج].

 لكن أبي لم يوافق بحكم أنني اخترت جامعة العاصمة وكنت صغيرة وقتها ولم يسبق لي أن خرجت خارج تيسمسيلت.

وخيّرني بين خيارين أحلاهما مرّ، يا إما أن أختار تخصصًا في تيسمسيلت، أو في وهران [لديّ عائلة أمّي هناك]، مع العلم أنّ التّخصصات في الولايتين لا تناسبني أبدًا، أو ربما هذا ما ظننته وقتها.

استخرتُ الله وأخذتُ قرار الدّراسة في وهران. أيًا كان التخصص المُهم  أن أُجرّب مدينة جديدة وتحدّيات تفيدني في تكوين شخصيتي، وقد كان القرار في محله رغم كل التحدّيات…

درستُ اللغة الألمانية [مازالت حسرةً في قلبي] وسأعالجها. لأنّني لم أدرسها في الثّانوي، واجهتني صعوباتٌ كثيرة، لكنني تجاوزتُ أغلبها، إلا شيئًا واحدًا وهو تعامل أحد الأساتذة معي، كان تعاملًا عنصريًا نوعًا ما. 

وكان في كل فرصة ينتقد حجابي ويوجّه لي نظرات شزراء، وكأنني ارتكبت جُرمًا بخماري الطويل [الذي كان يسمّيه خِمار الشتاء]، كان هذا مستفزًّا جدًا، وأتذكّر ذات مرّة سألنا عن نوع الموسيقى التي نحبّ. 

بدأ الجميع بالإجابة، وكان هو سعيداً بإجابتهم ثم حان دوري، اقترب منّي وقال بهمس، وفي عينيه نظرة ليست بالبريئة أبدًا:

Musik ist Haram –

يقصد أنّ الموسيقى حرام، وقد سمعه بعض الحمقى مثله، لينفجروا ضاحكين، تسمع ماهر زين. وضحك الجميع، وغابت شمس ذلك اليوم، وظنّ ذلك الرجل أنه حقق نصرًا، وربما احتفل بنفسه.

وفي الجانب الآخر كان هناك أستاذ آخر لن أنس اسمه أبدًا، كان لقبه طيّبي وكان اسمًا على مُسمّى، كانت ملامحه تضِجُّ بالطيبة واللّين، حين عرَف أنني لم أدرس اللغة الألمانية، دعاني إلى الجلوس في المقعد الأول، وكتب على السبورة كل جمل المحادثة والتعريف بالنّفس الشائعة، ثم قرأها لي وطلب أن أقرأها خلفه، ومدح نطقي السليم.

ثم مسح كل ما كتب، ومثّل أنه يتعرّف عليّ وفتح معي حوارًا وكنت أجيب على أسئلته كي يعينني على الحفظ وحين أتعثّر يصوّبني. 

وبعد هذا الموقف تشجّع عدد من الطلاب على رفع أيديهم والتصريح أنهم أيضًا لا يعرفون اللغة الألمانية، وبدأ الآخرون بعرض مساعدتهم لنا وتشجيعهم، وهكذا انتهت أول حصة لي في قسم اللغة الألمانية وأجزم أن الأستاذ طيبي انتصر انتصارًا مستحقًا.

غيرت الفوج على إثر موقف الأستاذ الأول لأن حصصه أكثر ومهمّة جدًا، فلم أتحمّل رؤية وجهه عدة مرّات في الأسبوع، فاحذر أن تكون أستاذًا من هذا النوع.

وهذا ما أثّر على مستواي كثيرًا…لأننّي انتقلت لفوج المبتدئين في اللّغة الألمانية وكان التّعامل معنا خالٍ من التّحدي والدّروس روتينية بسيطة. مع أنّ علاماتي كانت جيّدة إلا أنّ مستواي لم يتحسّن بالمعدّل المطلوب…

كنتُ أملأ وقت فراغي في الإقامة بكتابة محتوى [هذا الاسم لم أكن أعرفه وقتها] للتّقارير والبيانات التي يرفعها أعضاء الاتحاد العام الطلابي الحر [منظمة طلابية في الجامعة] في البداية. 

فقد قامت إحدى البنات الأكبر مني باكتشاف موهبتي في  الكتابة، وكانت تستدعيني تقريبًا في كل النشاطات، حتى أساعدهم في صياغة أيّ مُحتوى، سواءً لمحتوى التّنشيط، الدّعوات، الشّهادات حتى أصبحت وظيفتي كاتبة محتوى [دون أن أعرف] بدوام كامل. 

إضافةً إلى كتابة الإعلانات… كنت أتدرّب على كتابة المحتوى والمحتوى التسويقي، والإبداعي دون أن أدري…  

انتهت سنواتُ الليسانس، لألتحق بمعهد الترجمة، وكلّي آمال أنني سأتخرج منها كمترجمة [حسرةٌ أخرى، لكنني أقترب… وأتدرّب أحيانًا على الترجمة]، لكنّ ذلك لم يحصل فقد كانت أغلب المقاييس باللغة العربية خالية من التّدريب تقريبًا. 

كنتُ مستمتعة بالدراسة على الأقل، مقارنةً باللغة الألمانية. وقد أنجزتُ مذكرة التخرّج في موضوع ترجمة معاني القرآن وكُلّي فخرٌ بنجاحي بتقدير جيد جدًا…

تخرجتُ من الجامعة وأنا في طريقي إلى الوظيفة، وبناء سيرة ذاتية يُفتخر بها، انضممتُ في فترة الصيف لأحد المجموعات الأدبية، التي تُشرف عليها الكاتبة العراقية سهى مولود

كانت تمدح كتاباتي جدًا، وأذكر أنها قالت لي: مستواك في الكتابة رائع ولا ينقصك الكثير سوى الثقة في حرفك وقلمك لازلتُ أذكر لهجتها العراقية الرائعة، أحييّها وطبعًا لن أنس ثقتها بي …

 اعتبرتُ الأمر مجاملةً حينها، حتى جاء اليوم الذي اختارتني فيه ضمن مجموعةٍ صغيرة من الفتيات من مختلف البلدان العربية لنؤلف مجموعة قصصية، كنا فتاتين فقط من الجزائر في الدفعة الأولى على ما أذكر…

أعطتنا مهلة أسبوع لننهي وننقّح القصة، ثم نرسلها إليها لكن أنا اعتذرتُ منها بسبب أنني لم أكن أملك مبلغ الاشتراك، قالت لي لن أخسر قصتك الجميلة بسبب 50 دينار عراقي [لست سعيدة بتلك القصة للأمانة]. 

وأخَذَت قصتي وقصص البقية وراجعتها ليتمّ نشر كتاب #أنامل_متوردة  المجموعة القصصية لفتيات جمعهنّ شغف الكتابة وحبّ التأليف…

لم يكن لي أي فرصةٍ في الحصول على نسخةٍ منه، ولا حضور حفل التوقيع فقط حصلتُ على صور الصفحات التي جمعت حروفي، وكان ذلك كافيًا حينها …

بدأتُ رحلتي في البحث عن عمل مجددًا [العمل يُصنع فلا تبحث عنه] هذا ما تعلمته مؤخرًا، وبقيت الكتابة حسرةً في قلبي، لا أنا استمريتُ فيها ولا استطعت التخلي عنها كليًا…، كنتُ في تلك الفترة قارئةً نَهِمة للروايات، الغربية والعربية. 

ثم بدأتُ بالتفكير في تأليف روايات ذات طابع ديني خاص من بنات أفكاري لا يشبه الروايات القابعة على رفوف المكتبات، كانت لدي أفكار رائعة حينها، لكنني أعتقد أنّ الرواية أوسع من أن تختصّ بفئة معينة أو بمنهج وفكر دون غيره…

وحين قُبِلتُ في إحدى الوظائف، اكتفيت بالقراءة ونسيتُ أمر الكتابة كليًا، كان العمل في مصنع لمواد التجميل، كانت تجربةً فريدةً من نوعها، كنت أكتشف أنواع العطور الرجالية ومساحيق التجميل من الماركات العالمية مثل: بورجوا ورمال لندن… 

كانت وظيفتي الإشراف على العاملات، إضافة إلى طباعة الملصقات التعريفية بالمنتج المستورد، تعلمت على برنامج جديد وآلة طباعة جديدة، وكنت شغوفةً بعملي جدًا وتجربة كل جديد….[على الأقل في البداية].

بعد قرابة شهر من العمل عشتُ تجربةً في غاية الروعة كانت جديدة كليًا لن أستطيع البوح بها هنا، ربّما أخصص لها كتابًا خاصًا يومًا ما بعد أخذ إذن المعني بالأمر…[التجربة لها علاقة بالكتابة فقط ولا شيء غير ذلك]

أجمل ما خرجت به من تجربتي تلك هو التسجيل على منصة رقيم التي اختفت من الوجود واختفت كل نصوصي معها. وكل الشكر لمن كان السبب في ذلك [حمزة] فقد يقرأ هذا الكُتيّب يومًا ما، ويُدرك أنّ اقتراحه البسيط قدّم لي الكثير فهو الذي كان يحثني على إنشاء موقع أو الكتابة في الصحف، لم يكن قارئًا لكنّه وعدني إن ألّفتُ كتابًا سيكون أول كتابٍ يقرأه، أتمنى أن يفعل ذلك…

بعد سنة من العمل في شركة مواد التّجميل وبالضبط في نهاية ديسمبر 2018، انتهى عقد العمل وعدتُ مجددًا لرحلة البحث عن عمل لم تكن رحلة وحسب بل كانت وظيفة بدوام كامل، وبدأتُ بطبع السيرة الذاتية الخالية من أي خبرة في مجال التعليم الذي يُشترط التوظف فيه خبرة. 

معادلة أزليّة سخيفة ليس لها حل مطلقًا، وكتابة طلبات التّوظيف في قطاع التربية التي لا تنتهي…. لكن كل ذلك دون جدوى.

بعد حوالي أسبوعين من البحث، وجدتُ وظيفة في مكتبة للأدوات المدرسية وعتاد الإعلام الآلي، عملت فيها كبائعة وأيضًا أقوم بكتابة مذكّرات التخرج باللغة العربية وطباعتها …

كان العمل مريحًا جدّا لأن المكتبة جديدة، وصاحب العمل شخصٌ طيبٌ إلى أبعد حد. خاصة في ساعات الصباح الأولى كنت أحتسي قهوتي رفقة جبران خليل جبران، فقد كانت مجموعته الكاملة معروضة للبيع في المكتبة [كانت مستعملة وصاحب المكتبة أذن لي بذلك].

وذات يوم تحقق حلم التوظيف كأستاذة، وجاءني اتصال هاتفي من مدير إحدى ثانويات الياسمين بوهران، أسرعتُ للقاء المدير والاتفاق معه على يوم البدء، كنت بحاجة لمراجعة بعض دروس الفرنسية وبدأتُ بسؤال صديقاتي اللواتي في التعليم، واتفقت معه على لقاء مع أستاذ المادة الفرنسية ليشرح لي طريقة التدريس ويقدم لي بعض النصائح.

عدتُ للمكتبة وكلي حماس وطاقة، وضَعتُ هاتفي على الطاولة  وانشغلتُ بالعمل والزبائن، وبعد عدة ساعات جاء صاحب المكتبة ليخبرني أنه يتصل بي وهاتفي مغلق. 

وهنا تذكرتُ هاتفي بحثت عنه فلم أجده، وبعدما تفقدنا كاميرات المراقبة رأينا أن أحدهم سرقه، وما أحزن صاحب المكتبة أنني قدمت له قطعة حلوى فقد كنا نقدمها للزّوار في الأسبوع الأول.  

وبدل أن أذهب للقاء المدير ذهبت للتّبليغ في مركز الشرطة وتعرفون الباقي من تضييع الوقت والحق…، وصدقت النكتة القائلة:

 أنا أحببتُ التعليم لكن التعليم لم يحبّني، حبٌ من طرف واحد ولا أمَلَ منه فلا تحاولي… أنا لا أمزح التّعليم حقًا لم يحبّني. 

سُرق هاتفي، ضاعت عليّ فرصة العمل، وفقدتُ حسابي على منصة رقيم، ولم أستطع استعادة بريدي الإلكتروني وفقدتُ جزءًا من رواية أحببته من حيفا، وهذا أكثر ما أحزنني. 

وعدتُ لأسقط في هوّة الاحباط مجددًا، حزنتُ كثيرًا يومها لأنّ الهاتف كان أول هاتف أشتريه من عمل يدي، لكن أمر المؤمن كله خير، وقدّر الله وما شاء الله فعل…

   كنت قد اشتريت رواية الكاتبة سهى مولود من معرض الكتاب الدولي، التي كان لها فضل عليّ في أولى خطواتي في مجال الكتابة، وحين قرأته شعرت أنني فعلا أستطيع النشر وأنّ أسلوبي ليس بالسوء الذي كنت أظنّه، فأخذت خطوة  إلى الأمام.

وقمت بإرسال نسخة من خواطري إلى أحد الأساتذة الذي اقترحته عليّ صديقة تعرفه، لأجل أن يدققها ويصحّح لي الأخطاء.

وبعدما أرسلتها له عاد بعد أيام وأرسل لي النسخة المدققة ليخبرني أنها لا تحتاج إلى أي نقد وأن كتابتي ممتازة، لكن ليس من الصواب نشر مجموعة خواطر… في بداية المشوار الأدبي.

بعدها توقفت عن المحاولة في الكتابة والنشر، وعدت للقراءة فقط …

بعد حوالي أربعة أشهر غادرت المكتبة، وعدت إلى تيسمسيلت،  وبعد مدة فكرت في عمل شيء بدل الجلوس أندب حظّي، وأحاول مغادرة منطقة الرّاحة القاتلة،

وبدأت بتدريس أطفال المنطقة أحكام التّجويد وأحفّظهم القرآن في المنزل بشكل مجاني، واستمريت في هذا العمل لمدة سنة تقريبًا، بمعدّل حصتين في الاسبوع مع مساعدتهم في حل واجباتهم وشرح بعض الدروس…

جهّزَت لي نهاية 2019، مفاجأة… فقد  دخلت بطريقة ما في مجال التنمية الذّاتية وتطوير الذّات والوعي، ظنًا مني أنه الحل لمشكلتي وقرأت كثيرًا من الكتب…وكانت قراءةً غير واعية فوقعت ضحيّة بعض الأفكار المشبوهة، وقضيتُ ليالي صعبة جدًا ترهقني فيها فكرة… وليست أيّ فكرة. واليوم أرى أنّ تلك التجربة صنعت مني شخصًا آخر.

حاولتُ الخروج من هذا النفق عن طريق الانضمام إلى منهاج صناعة المحاور  والبناء المنهجي وعدت لنقطة الصفر مجددا، لكن نقطة الصفر ليست سيّئة دائما، ولاسيما حين تبدأ فيها بتعلّم شيء جديد، والمشي في دروب مختلفة… نقطة الصفر هي البداية فيما هو أجمل.

بعد هذه التجربة، غادرت جميع مواقع التواصل الاجتماعي لأُلملم شتات روحي، وأرتّب داخلي … وبقيت فترةً لابأس بها في كهفي وعزلتي منفردة بنفسي، وفتحتُ حسابًا على موقع Quora وكان قراراً حكيمًا.

وبعدما عدت لمواقع التّواصل، كنّا أنا وصديقتي حنان مخطاري دائما نفكر في العمل الحر ونضع مخططات سويًا، تمامًا كما كنّا في المرحلة الثانوية لكن الخطأ أننّا لم نطبّق… ونسينا الأمر كليًا ربما لم يكن وقته وكنا بحاجة للشّجاعة أكثر. 

وبعد عام تقريبا من هذا الاقتراح، ورحلة طويلة من البحث عن وظيفة، اقتنعت أنّ السبيل الوحيد لتطوير مهاراتي في الكتابة هو وضعها في التطبيق والتجربة، وليس الاكتفاء بالتدريب فقط أو الحلم بأنني كاتبة، وكانت البداية عبارة عن منشورات على فيس بوك، وبدعم من صديقتي استطعت الالتزام في الكتابة لأكثر من نصف شهر وهذا إنجاز بكل معنى الكلمة. 

وبدأت بتعلم كتابة مقالات تتوافق مع شروط السيو الذي لم أكن أحبّه أبدًا لكن اليوم أخذت دورات وأصبحت خبيرة سيو وأعمل على موقع أحد العملاء وأقدّم خدمات في المجال.

كانت البداية برعاية هاتف كوندور الذي كتبتُ من خلاله هذه القصة التي تقرأها الآن وقد نشرتها في مجموعة مستقلين للعمل الحر على فيسبوك [مع تعديلات وحذف وإضافة].

ومن هذه المجموعة بدأت حقًا في العمل وكتبتُ أول مقال لي في مدونة الزميلة آسيا التي أشكرها وأسأل الله أن يجزيها عني كل خير ولن أنس تشجيعها وإرشادها لي.

وعملت أيضًا مع الزميلة الحبيبة عفيفة حمزة التي فتحت معي مشروع تدقيق كتابها من خلال موقع مستقل وكانت تجربة في منتهى الروعة.

ومن بين التعليقات التي كانت في المجموعة على قصتي التي قرأت، جاءني شخصان أيضًا نصحاني بالاشتراك في مجتمع رديف وأشكرُهما من هنا وأسأل الله أن يوفقهم ويفتح عليهم فتوح العارفين.

لم أتردد في التواصل مع الأستاذ يونس بن عمارة، وفعلا كان تعامله معي في غاية اللطف وأشكره أيضًا، فقد قرأ لي مقالًا على رقيم وقدّم لي مجموعة من النصائح والإرشاد حين طلبت رأيه بمقالي، كان هذا قبل الاشتراك في رديف.

اشتركت في رديف وهناك تعلّمت الكثير والذي لا أعتقد أنني كنت سأتعلّمه في مكان آخر.

لكنني أحببتُ أن أشارك خطوتي الأولى معك، حتى نشجّع بعضنا فليس من المُفترض أن يتحدّث الخبراء وحسب. وإنّما كل من تعلّم صنع كعكة فليشارك مكوناتها مع صديقه ويفرحا سويًا بإنجازهما.

أنجزت عددًا من المشاريع بهاتفي الذي لم يكن لديه شاحن أو بالأحرى هو لا يحب الشاحن، عملتُ به عدة أسابيع ثم اشتريت هاتفًا، وخططتُ لشراء حاسوب وطاولة. 

عملتُ بالهاتف ذاك لفترة ولم اتذمّر بل كنت مستمتعة جدًا بما أفعله، إذا لماذا تنتظر أن تكون ظروفك مواتية يا صديقي ابدأ الآن بالمتاح وما عليك من الباقي.

بدأتُ بمشروع على مستقل استمرّ لثمان أشهر تقريبًا، وأنجزتُ مشروعًا آخر بفضل الأستاذ يونس بعد الله، وكان سعر المشروع يفوق راتبي في الوظيفة التي أخبرتكم عنها، فقلتُ لنفسي: هذا العمل مجد يا فتاة! 

تتعلمين وتكسبين المال وتتعرّفين على أشخاص رائعين. وقبل أن يقفز محبي الوظيفة وبأنّ هذا غير دائم، دعني أخبرهم أنّ هذا عمل أحبه وبحثت عن وظيفة ولم أجد، هل سأقضي عمري في النواح والنحيب؟ وكما قال الصحابي عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، حين عرض عليه الصحابي سعد ابن الربيع الأنصاري ماله، ردّ عليه قائلًا:  

[بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ، دُلَّنِي عَلَى السُّوقِ]، حين كان الطريق الأفضل للمال هو التجارة. سأقول له أنا: أعطني حاسوبًا وإنترنت.

خطّطتُ لشراءِ الحاسوب والطّاولة في عيد ميلادي أي شهر أفريل، بعد أن تعبت من العمل بالهاتف وتعبت من العمل والتعليقات السخيفة التي كنت أسمعها من أهلي والمحيطين. ولله الحمد والمنة فعلتُ ذلك.

وخططتُ لفتح مدونة مع أنني حينها لم أكن أعرف كيف أبدأ، لكنني في النهاية فعلتُ ذلك أيضًا، والآن مدونتي بنطاق مدفوع وجميل dalila.blog 

ثم خطّطتُ لإطلاق نشرة بريدية، وأنا أجهل تماما ماذا سأكتب فيها، واليوم كتبت أكثر من 50 عددًا ولدي فوق 370 مشترك كلهم ينتظرون العدد عصر الجمعة بحب وحماس.

وأطلقت مدونة صوتية تُعنى برحلة الكاتب وأسميته بودكاست رحلة كاتب، لتكون الدليل لكل من يرغب في دخول عالم الكتابة وتاه في الطريق. سأحاول أن أمدّ له يدي من خلال قصص وتجارب السابقين ممن دخلوا المجال وخاضوا الرحلة ونجحوا فيها.

هل أعجبتك قصتي؟ إنه سحر الكتابة يا صديقي، اليوم وبفضل الله لديّ عملاء رائعين. وسعيدة بخدمتهم وأسعى للتطور أكثر وأكثر، وفي عيد ميلادي القادم أفكر في نشر النسخة المنقّحة من هذا الكتيب.

وقبل أن أختم قصّتي اللّطيفة، أريد أن أخبرك أنّ البدايات صعبة، وقد تكون صعبة جدًا. لكنني آمنت بأنّ الله لن يتركني وحدي وسيسخّر لي من عباده أفضلهم، سواءً في هيئة صديق أو عميل أو داعم وصاحب معروف… 

الله لن يترك عباده وحدهم أبدًا، فركّز على الخير والعطاء والفرص من حولك وليس على الصعوبات. وكن متفائلا، فالمتفائلُ هو الذي يرى المشكلة ويقول سأجد لها حلًا. ولا تكن كالواقعيِّ الذي يرى المشكلة ويجمع كل الأدلة ليقول أنها مشكلة وليس هناك حل. ولا تكن المتشائم الذي يرى المشكلة وأن الحل مستحيل ويغلق الأبواب ويرمي المفتاح.

العمل الحرّ وكتابة المحتوى ليست سهلة ولا مستحيلة، لكن ستمرّ بأيام ولحظات تتعب فيها وتحزن وهناك من سيكسر خاطرك، ومن يبخسك حقك، ومن يقلّل من جهدك أو يستخف بمهاراتك، أو يصفك بأوصاف مؤذية، وستبكي وتتألم لكن إن آمنت بالهِبة التي منحها الله لك فسوف تمسح دموعك وتقوم للعمل فجرًا ولن تلتفت إلى أي تافه يقلّل من شأن ما تفعله.

أحترمُ كل صانع محتوى مهما كان، لأن فعل ذلك ليس سهلًا والاستمرار فيه أصعب ولاسيّما الكتابة، وأنصحك بأن تستثمر في مهاراتك لا تترك نفسك للحظ وأن تضع أهدافًا نصب عينيك لتسعى إليها. وإن داهمك الإحباط فذكّر نفسك بالأيّام الصعبة. الأيام التي لا تريدها ان تتكرر في حياتك.

كما أُذكّر نفسي بِبداياتي وأنا أجلس بجوار المقبس الكهربائي لعدد من السّاعات مخافة أن ينطفئ هاتفي ويذهب تعبي.

توكل على الله ولا تتخلى عن حلمك أيًا كان، حتى وإن كان جني أول 20$ من كتاباتك، أو أيًا كانت المهارة التي تسعى لاكتسابها وجني المال من خلالها، وبعدها سيصبح هدفك 20k $، ثم 200k $ فقط استمر وثق أنّ الله لن يضيّع عمل عامل.

لم أتوقف عن المحاولة والتعلّم في كل فرصة. بعد أن أتقنت الكتابة الإعلانية وكتابة المقالات وأخذت دورة كاملة تطبيقية في تحسين محركات البحث، انتقلتُ إلى كتابة تجربة المستخدم وأخذت الدورة المتقدمة من كتابة تجربة المستخدم وتحدثتُ بشكل مستفيض عن التجربة في مقال منفصل عنونته بـ كيف أصبحتُ كاتبة تجربة المستخدم؟

لم يكن الاستمرار في كل ذلك هينًا أو سهلًا، لكنني أحاول رغم كل الظروف. ونشرتُ القصة هنا لأدعوك للمحاولة والسعي… نشرتُ القصة في كتابي المجاني وأعدتُ نشرها هنا وسأظيف لها في كل مرة جزءًا من التغيرات التي تحصل في حياتي، وأدعوك للقراءة في كل مرة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حقوق الصورة البارزة: Photo by Rafael Leão on Unsplash

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إن ألهمتك قصتي وأعجبك المحتوى الذي أقدمه؟ أدعوك لتحميل كتابي المجاني رحلة كاتب محتوى فالقصة جزء منه. وإن كان لديك مشروع كتاب أو محتوى مواقع فيسعدني التعاون معك. فقط تواصل معي الآن:

أضف تعليق