عدتُ إليكم من جديد بنشرتي البريدية “حكاية أم”

قررتُ أخيرًا وبعد صراع مع موجات التردد والخوف أخذ خطوة في هذا التغيير، وبدأتُ نشرتي البريدية حكاية أم. تحت شعار “لكل أم حكاية تستحق أن تُروى”. خاصةً أنّ للأم حكايات لا تنتهي، وحكايات لا تُرى، ولا تُسمع، بل يجب أن تُروى.

رأيتُ وبعد طول تأمل أنّ قصتي مع الأمومة لا تستحق أن تبقى حبيسة ذاكرتي فقط، بل تستحق أن أشاركها مع بقية الأمهات اللواتي يَجُبن الإنترنت بحثًا عن نصوص كتَبَتها أمهات مثلهنّ، نصوص تشفي الغليل، وتُثلج الصدر، وتشُد على اليد، وتُطَمئن القلب، وتُزيل المخاوف أو تخففها على الأقل، وتُخبر الأم في كل جملة أنها ليست وحدها.

وتُزيل اللثام عن تجربةٍ عظيمةٍ تعيشها الأنثى، لكن الرجل لا يعرف شيئًا عنها. يظنها تجربة عادية والأنثى هي المسؤولة الوحيدة عن خوضها حتى النهاية. وأرجو من خلالها أن يفهم أمه وزوجته وأخته… ليكون على قدرٍ من التعاطف والتفهّم والاحتواء في هذه المرحلة المقدّسة.

الأمومة بركانٌ يُفجّر أعماق الأنثى

بعد دخولي في عالم الأمومة تغَيرتْ الحياة من داخلي شيئًا فشيئًا، حتى استيقظتُ على كمٍ من التغيُرات لا يُحتمل، تغيراتٌ تنافس سرعة الضوء، أُصبح فيها شخصًا وأُمسي فيها آخر، وكأنّ كائنًا ضخمًا يجوب بي أرجاء المعمورة لأتقمص أدوارًا وشخصياتٍ لا تنتهي.

أو ربما تبعثرتُ حتى أصبحتُ لا أرى الحياة كما رأيتها من قبل أبدًا، تغيّر كل شيءٍ من داخلي ومن حولي وفي قلبي وفكري، ووجداني… حتى أصبحتُ شخصًا آخر تمامًا، أو ربما نفس الشخص لكن تتلبسّه شخصياتٌ لا تنتهي.

وكان من الصعب تقبّل نفسي والتعايش مع هذه الموجة العميقة من التغيرات، وانتظرتُ طويلًا أن تختفي، لأسترجع نسختي السابقة، لكن هيهات… كان انتظاري عبثًا، لأن التغيرات استمرت أكثر وأعمق وفي كل لحظة أتوه أكثر عن نفسي، وأبتعد عنها.

انتَابني شعورٌ متغطرس بالذنب، لم أستطع السيطرة عليه، حاولتُ جاهدةً استرجاع بعضا مني لكنني فشلتُ في كل مرة حاولتُ فيها، وازدادت مخاوفي في التعايش مع هذه النسخة الجديدة والمختلفة.

تغيراتٌ وتغيرات


أصبحتُ أعيش داخل جسدٍ جديد ومختلف كليًا لا يشبه جسدي السابق، غادرتني أهدافي وأحلامي وأمانيّ وسيطرت علي مشاعر لا تخصني وحدي، بل كل شيء أصبح يتمحور حول ذلك الملاك الصغير، الذي عيني عليه طول الوقت.

وقلبي وجسمي وعقلي وتركيزي ومحبتي واهتمامي…، كل شيء أصبح له وحده ومن أجله فقط. وكأنّ العالم أصبح خاليًا من البشر ولا يوجد سواه على هذه الأرض. هل يُعقل أن تتحمل النفس البشرية كل هذا التغيير المفاجئ ودون سابق إنذار؟

على الرغم من أنني قرأتُ عن الأمومة وسمعت عنها، لكن ما إن عشت الدور بنفسي حتى اكتشفت أشياء لن يخبرك بها أحد، لم يعلّمنيها أحد، لم يصف لي أحدٌ من قبل أنّ الولادة ليست فقط ولادة طفل. بل الأنثى تولد من جديد مع كل ولادة، وتكتشف نفسها كما تكتشف صغيرها…

خاصة أننا نختبر الولادة بشكل مختلف، قد نعيش نفس الموقف ونفس القصة لكننا نتعامل معها بطريقة تختلف من أمٍ إلى أخرى.

هل يُعقل أن تكون جملة التغييرات هذه هي السبب في إصابة بعض النساء باكتئاب ما بعد الولادة؟ للأمانة لا أدري ولا يمكنني الحكم أو الحديث على شيء لم أختبره بنفسي، لكن قد أكون عشت جزءًا منه في أيامي الأولى من الولادة لكن انشغالي بصحة طفلي جعلني أنسى كل مشاعري وأعيش الصبر فقط من أجله.

لماذا نشرة “حكاية أم”

منذ أن أصبحتُ أمًا وفكرة بدء نشرة بريدية عن الموضوع تراودني عن نفسي، لكن تأجّل الموضوع لعدة أسباب ولا يسعني المقام للحديث عنها. لكن اخترتُ الكتابة في موضوع الأمومة لأكتب عن شيءٍ أعيشه طوال اليوم والليلة، وأشارك تجربتي أيضًا مع كل من تحتاج إلى ذلك، فالنشرة ليست موجهة للأمهات فقط، بل هي موجهة للأمهات، والمُقبلات على الأمومة، وحتى المقبلين على الأبوة.

تحمستُ كثيرًا لهذه النشرة وأسأل الله التوفيق والسداد، وأراك في العدد المُقبل.الذي سنتشارك فيه الكثير من القصص والتفاصيل الجميلة، والمواقف اللطيفة والصعبة، والكثير…


أشكرك على قراءتك. ويسرّني استقبال رسالتك، أو طلبك لخدماتي، أو استشارة في الكتابة أو الاشتراك في مجتمع محبرة

بصدر رحب على واتساب.


حقوق الصورة البارزة: Photo by Alex Pasarelu on Unsplash


اكتشاف المزيد من مدوّنة دليلة رقاي

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

رأيان حول “عدتُ إليكم من جديد بنشرتي البريدية “حكاية أم””

  1. شكرًا دليلة على هذه النشرة، هذا نوع خاص من النشرات البريدية الذي تتفق عليه أطياف كثيرة من النساء، الأمهات، والمقبلات على خوض التجربة الجديدة الجميلة بحاجة لأن يعرفن أكثر.. كلنا بحاجة لأن نقرأ تجارب وأحاسيس تشبهنا.. وتأخذ بأيدينا

    استمري فنحن بانتظار أعداد هذه النشرة دائمًا

اترك رد