أهلًا…
داهمني انسدادّ في الأنف، وحرقة حادة في الحلق، وتقلبتُ مئات المرات وأنا أستجدي النعاس ليأتي، ويأخذني من عالمي الذي أصبح مليئًا بالفوضى، مثقلًا بالتساؤلات، متخمًا من الحنين وكثرة الالتفات والبحث عن نسخة من سابع المستحيلات أن أسترجعها.
حاولتُ جاهدة التمسك بذرة نعاس، لأسافر معها إلى عالم الموت الصغرى ليهدأ عقلي قليلا، وتسرق نفسي شيئًا من الطمأنينة، ثم بدل التمسك بالنعاس، سرى في نفسي وسواس خافت، وحاول في حياء أن يدفعني لإمساك الهاتف الذي أصبح يقضي الليل بطوله بعيدًا عني.
حتى أنني لا أتذكر متى آخر مرة كان ينام فيها بجانبي، لذلك ولله الحمد والمنة، لستُ ممن يتصفح قبل النوم ولا ممن يسكرولي قبل الاستيقاظ، وأصبحَت نسبة استخدام الهاتف تتضاءل باستمرار، حتى أنّ هذا الأسبوع تناقص استخدام الهاتف بنسبة 32%. أليست نسبة رائعة؟
لم أعد أهرب من واقعي إلى التصفح، بل أصبحتُ أفضّل تلميع الأواني، ترتيب الخزانة، وفرز الأدراج وتنظيمها وترتيبها، ورمي كل شيء لم يعد صالحًا للاستخدام، وليتني أستطيع رمي الأفكار البالية والمؤذية كما أفعل مع بقية الأشياء، وتجربة طبخة جديدة والجلوس دون فعل شيء أحيانًا.
وحتى جمع قطع ألعاب ياسين المبعثرة، مثل ألعاب التركيب، والأحجيات الخشبية، وتجميع ملابسه الصغيرة ووضعها في مكان غير المكان المخصص للملابس التي يستخدمها في عمره الحالي (حفظه الله ورعاه).
كدتُ أنسى، بعد أن جافاني النوم كما جافتني أحلامي وشغفي وحماسي… تصفحتُ هاتفي كما أخبرتك، وقد جررتُ نفسي جرًا إليه، فلم أعد أقفز بنشاط إليه حين يرنّ أو يأتيني إشعار، فأغلب إشعاراتي أغلقتُ فمها نهائيًا، وأبقيتُ على البعض منها والتي لا تأتيني إشعارات منها إلا قليلا.
اخترتُ تصفح بريدي الإلكتروني، فتحتُ الأول فأزعجتني محتوياته… فانتقلتُ للثاني فانتبهتُ لعنوان نشرة الأستاذ يونس صيد الشابكة، وفتحتها دون تفكير، وبالمناسبة نشرة صيد الشابكة مدفوعة وتستحق كل دولارٍ منك، اشترك فيها لربما تكون شريكك القادم في أرَقك في الليالي القادمة، خاصة أنّ الليل سئم من القِصر وأصبح يزداد طولا (ذكّرني طول الليل بأغنية حمزة نمرة شوية حبايب) التي يتحدث فيها عن الشتاء وطول ليله، والشوق والحنين الذي يداهم السهران في لياليه.
أتذكر أنها كانت رفيقتي ذات ليلة، لكن الحنين والشوق ليس نفسه… ربما تذكرتُ الشتاء لأن هذه الليلة باردة قليلا، وأسمع صوت الرعد فالحمد لله على هذه النسمة الناعمة الباردة، بعد تلك الليالي الساخنة التي سلبت طمأنينتنا وزادت من سخطنا والعياذ بالله.
ومن بين المختارات التي يختارها يونس بعناية فائقة، لفت قلبي عنوان تدوينة عاليا عبد الله بعنوان “الكتابة بوصفها أوديسة للعودة إلى الذات” التي أصبحت تدويناتها مؤخرا تناديني حتى أنني أنتظرها، من شدة ملامستها لروحي… حتى لو أنها تزيد من تأنيب ضميري بسبب غيابي وهجراني غير الجميل للكتابة، إلا أنّ فيها سلوى دافئة وحانية لنفسي.
وبينما أنا أتحسس حروف تدوينتها بقلبي قبل عيوني، انتابتني موجة جارفة من الحنين إلى كتابة نشرة رديف، لماذا برأيك؟ لأن نشرة رديف كانت تجعلني لا أفَوتُ تدوينة واحدة ولا تغريدة من إبداعات رديف، لكن الآن وكما أخبرتك أنني أبتعد عن الهاتف، أصبحتُ نادرًا ما أتصفح تدوينات الأعضاء، عدا نشرة صيد الشابكة وما تحويه، وللأمانة أحيانا أقرأها دون ضغط رابط واحد، غفر الله لي.
تحدثت عاليا عن أسباب الكتابة، وبينما أنا اقرأ الأسباب عرفتُ كم أنا بحاجة إلى الكتابة، على الأقل لفك تشابك المشاعر بداخلي، ومحاولة فهم هذا العالم غير العادل، العالم الذي مؤخرًا أصبح مخيفًا لكثرة الأذى المنتشر فيه، ليس العالمي فقط… بل حتى في عوالمنا الصغيرة والمحدودة.
فقد كنتُ أظن أنني حين أكبر وأتقدم في العمر سأزداد قوة على مواجهة ذلك السوء دون أن أفقد شيئًا من نقاء قلبي وصفاء سريرتي، لكن على العكس… كلما تقدم بيَ العمر اكتشفت أنني أنتمي لمكانٍ آخر، وتذبحني الغربة يوما بعد يوم وتزداد قسوتها دون هوادة، تصرخ روحي كل يوم: أنا لا أنتمي إلى هنا، أنتم لا تشبهونني، ليأخذني أحدٌ إلى حيث أنتمي…
لكن أنام على أمل… وأستيقظ في نفس العالم الذي لا يشبهني أبدًا. أتعرف يا صديقي القارئ! من أسباب ابتعادي عن الكتابة هو خوفي من البوح الصريح، فصدري أضيق من أن يتسع لأشياء تؤذيه وتحرمه طمأنينته، ولا شجاعة لدي لإخراجها والافصاح عما يحويه هذا الإناء.
سأختم هذه التدوينة لأن ضوء الهاتف وضوء البرق جعلا أحدهم يستيقظ، من الأنانية أن أحرمه نومه الهانئ، كما حُرمته أنا، فلا ذنب له. وكم أتمنى أن تكون هذه التدوينة بدايةٌ لواقع أفضل مع الكتابة.
ستقرأ هذه التدوينة دون أي تحريرات ولا تغييرات، ستقرأها كما هي من القلب إلى القلب، ودمت بخير.
________
حقوق الصورة البارزة:
اكتشاف المزيد من مدوّنة دليلة رقاي
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
أسلوبك القريب من القلب دايمآ ماكان ملهم بالنسبة لي، ويسعدني لو تدوينتي أضافت لك أي حافز للاستمرار بالكتابة🌷🙏🏻
سأخبرك بسر صغير؟
اكتب لأذكر نفسي قبل قراء مدونتي في كل مرة أثر الكتابة على فهمنا لأنفسنا والعالم
شكرا على هذه التدوينة الرائعة دليلة 🤍